بالأمس القريب، ذكرت صحيفة «دالاس مورنينغ نيوز» أن الشرطة ألقت القبض على طالب بمدرسة ماك آرثر الثانوية يدعى أحمد محمد (14 عامًا)، واقتادته مقيدًا بالأصفاد، بعدما أحضر إلى المدرسة الواقعة في إرفينغ، إحدى ضواحي دالاس، ساعة منزلية الصنع.
ويصنع محمد، الشغوف بالروبوتات والهندسة، أجهزة الراديو الخاصة به، كما يصلح سياراته الصغيرة للسباقات. المراهق الذي التحق بالمدرسة الثانوية قبل أسابيع قليلة جمع ساعة في منزله خلال 20 دقيقة، على أمل أن يثير إعجاب معلميه. وبحسب الصحيفة التي نشرت الخبر، كانت الساعة مكوَّنة من مجرد «لوحة إلكترونية ومصدر للطاقة متصلين عبر أسلاك بشاشة رقمية، ومربوطين جميعا داخل حقيبة تحمل صورة مجسمة لنمر».
لكن المسؤولين في مدرسة أحمد محمد رأوها على أنها قنبلة.
المدرسون والمدير في مدرسة ماك آرثر الثانوية لم يروا مراهقًا يتطلع إلى أن يبهر معلميه الجدد بإبداعه وموهبته. وفي جهلهم، اعتبروها تهديدًا. ويبدو أن هؤلاء المسؤولين استقوا فكرتهم عن القنبلة في وقتنا الحاضر من برامج الكرتون الصباحية، ولا بد أنهم دهشوا لعدم وجود أعواد حمراء صغيرة متصلة بها. واقتيد أحمد، الذي كان يرتدي قميص «ناسا»، من المدرسة مقيدًا بالأصفاد، تلخص نظرة الحيرة المرتسمة على وجهه الموقف برمته.
العالم بأسره تعاطف مع أحمد وأسرته، بل إن الرئيس الأميركي باراك أوباما أبدى مساندته لأحمد في تغريدة، ودعاه إلى زيارة البيت الأبيض. وهكذا جاء فيض الدعم القادم من كل حدب وصوب مثلجًا للصدور.
لكن ردود فعل «البالغين» في إرفينغ إزاء هذا الموقف لم تكن على المستوى نفسه. لقد أدرك سريعًا الضباط الذي ألقوا القبض على أحمد أن الجهاز لا يشكل أي تهديد. لكنهم ما لبثوا أن وجهوا جهودهم لتحديد ما إذا كان لدى أحمد نيات خبيثة على أي حال. وعندما يتعلق الأمر بطالب أسمر اللون يحمل اسمًا عربيًا، يصبح الإجرام، وليس الإبداع، هو الدافع الرئيسي وراء أفعاله. كما قابل البالغون الباحثون عن «قنبلة سينمائية» تأكيد أحمد المتكرر بأنها مجرد «ساعة» بالرفض القاطع.
وجاءت ردة فعل عمدة إرفينغ السيدة بيث فان ديوين أكثر إثارة للانزعاج: «كوالدة، أتفهم أنني كنت سأشعر بضيق شديد لو حدث ذلك مع طفلي. إنني أرغب بكل صدق في أن يتشجع جميع طلبة إرفينغ على ممارسة إبداعهم، وتطوير ابتكاراتهم، واستكشاف اهتماماتهم على نحو يعزز الارتقاء في التعليم. آمل أن نتمكن جميعًا من تعلم الدرس من الأحداث التي جرت هذا الأسبوع، وألا يشعر الطالب، الذي يمتلك مواهب واضحة، بالإحباط ويواصل تنمية موهبته في الإلكترونيات والهندسة».
ورغم أن العالم بأسره التف حول أحمد وأسرته، لم تقدم ديوين أو بيان منطقة إرفينغ التعليمية، أي نوع من الاعتذار عن المعاناة التي لقوها. بل إنهما لم يذكرا أن الشيء الذي جلبه أحمد إلى المدرسة ليس إلا ساعة. وعوضًا عن ذلك، تعرب ديوين عن أملها في أن «نتعلم جميعا من هذه الحادثة»، وأن يواصل أحمد شغفه بالهندسة والإلكترونيات كما لو أنه لم يُعتقل ويخضع للاستجواب على مدار ساعات في غياب من والديه.
وقال أحمد بعد اعتقاله وخضوعه للاستجواب وأخذ بصماته «جعلني ذلك أشعر بأنني لست إنسانًا. أشعرني بأنني مجرم». أحمد لم يشعر فقط بـ«الإحباط» يا حضرة العمدة ديوين. لقد اختبر على يد مسؤولي مدرسة إرفينغ ورجال الشرطة، ما بدا أنه تجريد محض من الآدمية. ويحظى بعض الأشخاص بالدعم والقوة ليتعافوا من مثل هذه الحوادث، لكنها تترك ندوبًا عاطفية مزمنة في نفوس البعض الآخر.
أما الجزء الأكثر إثارة للحزن من القصة الأصلية هو إعلان أحمد أنه لن يحضر اختراعًا إلى المدرسة مرة أخرى. وتكشف هذه الحادثة كيف يمكن أن تغتال عنصرية البالغين وتعصبهم الأعمى أحلام الأطفال. ويقول أحمد الآن إنه قد ينتقل إلى مدرسة أخرى.
إنني لا أستطيع مغالبة شعوري بالحزن كشخص نشأ في منطقة دالاس، عندما أرى نموذجًا آخر لأطفال ملونين في شمال تكساس لا يُعاقبون على شيء سوى كونهم أطفالاً فحسب. وقبل شهور قليلة، شهدت مدينة ماكيني بولاية تكساس استدعاء لرجال الشرطة إلى حفل أقامه عدد من المراهقين على مسبح. وطرح ضابط شرطة المراهق داجيريه بيكتون، 15 عامًا، أرضًا بينما كان لا يرتدي سوى لباس البحر. كما أشهر الضابط سلاحه في وجه مراهقين آخرين في الحفل. وعندما تقع مثل هذه الحوادث، لا يعاني الأطفال الملونون من الأذى العاطفي وحدهم. وتقول والدة بيكتون إن حادث المسبح كان مروعًا وتسبب في تخلفها عن سداد أقساط منزلها.
أحمد وعائلته يستحقون اعتذارًا كاملاً من مسؤولي إرفينغ. إنه لأمر مخزٍ أن يتعرف العالم على أحمد من خلال صورته مكبلاً بالأصفاد تقتاده الشرطة إلى مركز احتجاز.
أعرف أنك ربما لن تقرأ هذه السطور يا أحمد، لكنني أرجوك، إذا استطعت، أن تواصل الابتكار. أميركا تحتاج إليك.
* خدمة «واشنطن بوست»
