زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

أخناتون.. حلم شادي عبد السلام!

قابلت شادي عبد السلام مرات كثيرة، وخاصة عندما كان يخرج فيلم «الكرسي» عن كرسي العرش الخاص بالملك «توت عنخ آمون»، وقد استطاع - رحمه الله - ومن خلال قطعة أثرية واحدة للفرعون الشاب؛ أن يقدم لنا سيمفونية رائعة لفيلم أبدع في إخراجه وفي النص المكتوب والتصوير. وحدث أن تقابلنا لمناقشة فكرة فيلمه «أخناتون»؛ وقد سمعت منه تفاصيل الفيلم؛ وكنا في ورشة الفنان محمد وفائي على الطريق المؤدي إلى آثار سقارة، وقد وجدت أن شادي استطاع أن يعرف؛ بل ويعيش دقائق هذا العصر بكل تفاصيله من حيث الملابس والديكور وكل ما يخص هذه الفترة المهمة من التاريخ الفرعوني.. ولم أملك سوى الإعجاب والانبهار بهذا الفنان المبدع؛ الذي استطاع أن يُبحر ويغوص في شخصية «أخناتون».. وقبل التعرف على شادي شخصيًا كنت منبهرًا بشخصيته من خلال ما سمعته عنه من الصديقة الفنانة العظيمة نادية لطفي، التي وقفت بجانبه في محنة المرض حتى وافته المنية في 8 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1986م.
وعندما التقيت بالفنان الراحل صلاح مرعي الذي اشترك معي في الكثير من المشروعات الأثرية، أهمها إنارة القلعة.. كنت مقتنعًا بأنه الوريث الشرعي لفن شادي عبد السلام، فقد سار على نهجه وحاول إحياء مشروع فيلم «أخناتون»، ولكنه مثل شادي لم يسعفه الوقت؛ ولم يجد تشجيعًا حقيقيًا من وزارة الثقافة المصرية..
وأذكر أنني عندما سافرت إلى أميركا لدراسة الدكتوراه عام 1980، كان يوجد بالمكتب الثقافي الكثير من النسخ من رائعة شادي - فيلم «المومياء» - الذي وصل بالفيلم المصري إلى العالمية؛ نظرًا لأنه يمثل المدرسة الواقعية، وخاصة في التراث الفرعوني الذي يعشقه العالم كله.. وقد كان الطلب على عرض هذا الفيلم من الجامعات الأميركية كبيرًا، وكانت تتم دعوتي بصفة دائمة للتعليق على الفيلم، ولذلك شاهدت هذا الفيلم ما يقرب من خمسين مرة وحفظته عن ظهر قلب. و«المومياء» في وجهة نظري هو البداية الحقيقية لخلط الفيلم التسجيلي بالفيلم الدرامي؛ وهو ليس مجرد فيلم عادي؛ فهو يتناول دراما الكشف الأثري؛ والعالم الخفي لسرقات الآثار من خلال قصة حقيقية أبطالها هم أفراد عائلة عبد الرسول بالأقصر؛ وهم من قاموا بالكشف عن خبيئة المومياوات بالدير البحري. ورغم أن لغة الفيلم كانت العربية الفصحى وليست لغة أهل الصعيد؛ ورغم أن الملابس كانت تظهر دوما نظيفة وبحالة الكي؛ وعمة الرأس التي ظهرت لم تكن هي التي يلبسها أهل القرنة بالأقصر.. فسيظل «المومياء» يعيش في قلوبنا؛ وسيظل شادي عبد السلام فنانا عبقريا؛ رحل قبل تحقيق حلمه بإخراج فيلم «أخناتون».
إن إخراج «أخناتون» إلى النور هو التكريم الوحيد اللائق بهذا الفنان، وسوف يقدمنا إلى العالمية مرة أخرى، وهي فرصة أن نجمع تراث شادي بعد أن تفرق كل ما يخص الفيلم بين مكتبة الإسكندرية، وصندوق التنمية الثقافية.. إحياء مشروع «أخناتون» ضرورة ملحة ليعيدنا إلى فن الزمن الجميل؛ وإلى عالم الفراعنة المثير.