نُظم مؤخراً بمراكش المؤتمر العالمي السادس للقضاء على عمل الأطفال، بمشاركة أزيد من ألف مشارك، من بينهم ممثلو حكومات الدول الـ187 الأعضاء في منظمة العمل الدولية، ومنظمات أرباب العمل والعمال، ومؤسسات الأمم المتحدة، والمجتمع المدني، فضلاً عن مؤسسات وطنية، وسعى هذا اللقاء الدولي إلى تسليط الضوء على الروابط بين القضاء على عمل الأطفال وبقية المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، وإعطاء دفعة جديدة للعمل الرامي إلى تعزيز هذه المبادئ والحقوق، وتشجيع التزامات جديدة في هذا الاتجاه، لا سيما من خلال التحالف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية.
في تدخلي أبرزتُ أن هناك ما يزيد على 130 مليون طفل يعملون، من بينهم نحو 54 مليون طفل انخرطوا في أعمال خطيرة قد تعرّض صحتهم أو سلامتهم أو نموهم للخطر، وتُظهر أحدث البيانات انخفاضاً إجمالياً بأكثر من 22 مليون طفل عامل منذ عام 2020، مما أوقف الاتجاه المقلق الذي سُجِّل بين عامَي 2016 و2020. ولكن رغم هذا التوجه الإيجابي فقد أخفق العالم في تحقيق هدف القضاء على عمل الأطفال بحلول عام 2025، وبمعنى آخر، فإن هناك ملايين من الأطفال محرومون من حقهم في التعلم واللعب، ويشتغلون في المقابل بالمناجم أو المصانع أو الحقول، ولا تزال أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى للأسف الشديد تتحمل العبء الأكبر، حيث تضم ما يقرب من ثلثي الأطفال العاملين في العالم؛ نحو 87 مليون طفل، وعلى الرغم من انخفاض معدل الانتشار من 23.9 في المائة إلى 21.5 في المائة، فقد بقي العدد الإجمالي كما هو على خلفية النمو السكاني.
ومما يزيد الطين بلّة أن هناك أطفالاً يُزج بهم في ساحات الحروب ويُرغمون على حمل السلاح، وهي جريمة شنعاء لا تقبلها الشرائع ولا الملل.
لا تكفي الضمانات القانونية ولا الاتفاقات الدولية في القضاء على عمالة الأطفال المقلقة؛ إذ لا بد من أن تكون هناك عدالة اجتماعية، من خلال توسيع نطاق الحماية الاجتماعية، والاستثمار في التعليم المجاني والجيد، وتحسين فرص الحصول على العمل اللائق للبالغين الذين عليهم أمانة وضع أبنائهم وذرياتهم في المسار الصحيح بدل الزج بهم في سوق الشغل. كما أن الهدر المدرسي يشكل العامل الرئيسي لهاته الظاهرة، لأن مغادرة النظام التعليمي يغذّي بشكل مباشر تدفق عمالة الأطفال. كما أن هشاشة الأسر وعدم الاستقرار الاجتماعي يؤثران سلباً على حياة الأطفال ومستقبلهم، أي أن غياب فرص العمل اللائق لفائدة الآباء يضعف توازن الأسر.
كما أن الاقتصاد غير المهيكل المنتشر في أفريقيا وآسيا يؤدي إلى استمرار عمل الأطفال، لأن هذا النوع من الاقتصاد يُسهم في بروز مجالات خارج الإطار القانوني، ويخلق بيئة ملائمة للجوء إلى تشغيل الأطفال.
إن الحل لهاته الظاهرة يكمن في محاربة الدول لظاهرة الفقر التي تدمر حياة من يعانون منها، والتحرك للقضاء على الفقر «خلال جيل واحد» و«إعادة بناء دولة الرفاهية»، ويجب ألا ينتقل الفقر عبر الوراثة، إلا أن الحقيقة هي أن الطفل الذي يُولد فقيراً بحاجة إلى 180 عاماً، لكي يأمل في أن يصل أحفاد نسله إلى الطبقات المتوسطة.
وما زالت قارة أفريقيا تحتل قائمة أكثر المناطق التي تحوي أعلى معدلات فقر في العالم، وبخاصة مناطق جنوب الصحراء، وتصل نسبة الفقر بها إلى أكثر من 35.2 في المائة من إجمالي سكان القارة. وتشير نتائج منظمة «غالوب» العالمية للإحصاءات، إلى أن 54 في المائة من تعداد السكان في 27 دولة مختلفة بأفريقيا جنوب الصحراء -من أصل 42 دولة- يعيشون في فقر مدقع على أقل من 1.25 دولار يومياً. كما أظهرت إحصاءات المنظمة أن 16 في المائة من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيشون على 1.25 دولار أو أقل في اليوم، في حين يعيش 28 في المائة من سكان المنطقة ذاتها على دولارَين أو أقل في اليوم.
ولكن المهم من هذا كله أن هاته الدول يجب أن تعي أن التنمية الدائمة ومكافحة الفوارق الاجتماعية والوقاية من انعدام الأمن المجتمعي هي من أصول الحكم، والنهج العقلاني يكون مبنياً على تلبية احتياجات جميع الأجيال، وبالأخص الجديدة منها. وكلها يجب أن تكون مبنية على العدل والتوافق والإيثار والمصلحة العليا.
ونحن نتحدث عن هذا الموضوع، يجب ألّا ننسى الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت؛ وهذا يتطلّب وضع ضوابط قانونية دولية وتشريعات توقف ما يجري من انحراف وتضليل رقمي، وهي ضرورة قصوى انطلاقاً من القيم المتعارف عليها دولياً، وتماشياً مع القواسم المشتركة التي تجمع كل الناس ولحماية الأطفال من الخوارزميات وأصحاب الضلالة.
