الطلقة الثانية التي قتلت رئيس الوزراء الياباني السابق، قبل أيام، وهجوم المتظاهرين على مقر حاكم سريلانكا، جددا النقاش حول كفاءة من يحمي زعماء العالم. القادة هم بيارق الأمة، ولا بد من حمايتهم بشكل جيد. وتكاد تكون هذه المهنة الوحيدة التي تعد احتمالية الخطأ فيها «صفراً»، حسبما وصفها أحد مدربي حراس الرئيس الأميركي كريستوفر فاغان. وهي من المهن القليلة التي تتطور بعد حمام الدم والمآسي.
في بلد الهدوء والأخلاق النبيلة التي يستقل فيها طلبة الابتدائي القطارات بكل أمان، تجرى التحقيقات حالياً حول الكيفية التي تسلل بها مهاجم، ليطلق طلقتين أصابت الأخيرة كبد شينزو آبي فسقط مضرجاً في دمائه. المفارقة، أن آبي سمع الطلقة الأولى لكنه لم ينحنِ كما فعل كل من حوله، وبعد 4 ثوانٍ جاءته رصاصة الموت. تعرض الرئيس الأميركي فورد لموقف مشابه وهو يهم بالخروج من فندق عام 1975، حيث انقض عليه حراسه، أحدهم أخفض رأسه ليحميه من وابل الرصاص، فيما دفعه الآخر بشدة نحو السيارة المصفحة، لكنهم وجدوا أنفسهم في ورطة، إذ كان باب السيارة مغلقاً! وبعدها وضعوا بروتوكولاً جديداً بتخصيص شخص مهمته فتح كل الأبواب الموصدة ما إن يظهر الرئيس.
وقد جرى العرف أن يقف الرؤساء الأميركيون خلف المنصة الشهيرة «البوديوم» التي تنقل معه إلى كل مكان في العالم، وفيها حاجز ضد الرصاص وجناح قيل إنه يُفتح لصد الطلقات.
وقد تطور بروتوكول الحراسة، بعد حادثة اغتيال الرئيس كيندي الذي كان يلوح للجمهور في سيارته المكشوفة، فمنع حرس الرئاسة استخدام سيارات «convertible»، وصار موكب الرئيس لا يسير إلا بوجود حاجز حديدي وآخر من عناصر الشرطة ليحول بينه وبين أي جمهور. وعندما أصر أوباما على الترجل من سيارته مع زوجته في الشارع بعد حفل تنصيبه، وجد الحراس أنفسهم في حيرة، فاضطروا إلى رفع سقف الإجراءات الأمنية وأعداد القناصين في كل زوايا المكان بعد تفتيش دقيق لمرتاديه.
ولذلك فإن إجراءات حماية القادة في تطور دائم، منها بديهيات ما يصفه أحد حراس الرئيس وهي: التأكد من حماية التكييف، ومن يتحكم في قطع الكهرباء، وكيفية الخروج الآمن لحظة وقوع مكروه، هو مخرج لا يتوقعه أحد من الحضور، علاوة على كيفية الهجوم على الجاني بأسلوب «تضخيم الجسم» كما تفعل الدببة، ليتلقى الحارس الرصاصة أو يحول بين الجاني والرئيس. وقد رأيت أيضاً كيف يدرب حراس البيت الأبيض على التكيف مع انقلاب السيارة مرات عديدة في بيئة محاكاة أشبه بالحقيقية، وكذلك لحظة وقوع طائرة الهليكوبتر في المياه والخروج بسرعة وأمان، إضافة إلى المجسات الخفية المتنقلة التي تكشف الحديد والمتفجرات. ما نعرفه عن خفايا الحراسة لا يذكر مقارنة بالأسرار الأمنية التي ما زالت في طي الكتمان.
إن زعماء العالم بمثابة قائد الطائرة ومساعده، فإذا ما وقع مكروه، امتد ذلك إلى الركاب ووجهتهم (أفراد الأمة). ولذلك انقلبت إجراءات السلامة رأساً على عقب بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) ومنها صرامة التفتيش، ووضع العين السحرية على باب القبطان، وتقوية متانة مدخل قمرة القيادة. فمن رحم المعاناة تولد الحلول.
هي في النهاية أقدار الله تعالى، لكن البروتوكولات تعد أخذاً بأسباب النجاة أو تقليل الضرر.
11:2 دقيقه
TT
اغتيال الزعماء وتطور الحماية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
