شيرين أبو النجا
TT

لكنْ ماذا حدث لشقائق الرجال؟

«إنما النساء شقائق الرجال» هو أحد الأحاديث التي ترسخت في الوعي منذ كنا نردد ما نحفظه ونوظفه لمنح مواضيع الكتابة الإنشائية ثقلاً نستمده من أبعاد مقدسة. عندما يتكرر الكلام تفقد البلاغة هيبتها الأولى ولا يكون لها الوقع الأول نفسه. ومع ازدياد عوامل التعرية الفكرية قررت أن أستعيد الحديث نفسه لأفهم السياق: «عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرجل يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ احتلاَماً قَالَ: (يَغْتَسِلُ). وَعَنِ الرجل يَرَى أَنهُ قَدِ احتلَمَ وَلاَ يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ: (لاَ غُسْلَ عَلَيْهِ). فَقَالَتْ أُم سُلَيْمٍ: الْمَرْأَة تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ، قَالَ: (نَعَمْ إِنمَا النسَاءُ شَقَائِقُ الرجَالِ)» رواه أبو داود. معنى الشقائق: أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شُققن من الرجال. وفي كل مواقع الفتوى يتم التأكيد أن النساء مساويات للرجال في الكرامة الإنسانية والحقوق والتكاليف، فيما عدا ما استثناه الشرع.
فما الذي حدث وجعل هذا الحديث - وغيره - مجرد بلاغة لا علاقة لها بواقع الحياة اليومية في الثقافة العربية القائمة على المأسسة القانونية والاجتماعية والاقتصادية بصعود مفهوم الدولة الحديثة؟
يبدو السؤال مكرراً ومتكرراً وقديماً ومجدداً للأحزان. لكن لا بأس من طرح أسئلة قديمة لمحاولة تقديم إجابات جديدة - هكذا تبلورت ما بعد البنيوية النسوية، فالسؤال القديم يمكن إعادة طرحه لتفنيد الوقائع التي استند عليها. لم يُقصر الفكر العربي الإسلامي في طرح أسئلة مشابهة من قبيل: لماذا تأخر المسلمون؟ كما سأل شكيب أرسلان عام 1930، ليقوم الإمام محمد الغزالي بنشر سر تأخر العرب والمسلمين عام 1987، وما بين الزمنين تفيض المكتبة العربية بأسئلة مشابهة. لكن السؤال الذي أرّق الكتاب منذ نهاية القرن التاسع عشر - حركة الإصلاح الاجتماعي - كان يضع نصب عينيه ضمناً أو علناً طرفاً آخر، وهو الغرب الذي أحياناً ما يكون متهماً، أو قد يكون الخلفية التي يُقاس عليها التقدم، أو يتحول إلى ند منافس لا بد من التفوق عليه. انطلق السؤال بشكل عام من مجال العلوم الدينية، إذ يتم استعادة العصر الذهبي، ومن علم الاجتماع حيث كل مشكلات الاحتكاك الثقافي مع الآخر التي تنتج مرتكزات سيطرة مختلفة كما ذهب فردريك معتوق، وعلم التاريخ حيث التحقيب الزمني المعتاد، ومؤخراً ظهرت دراسات الهوية التي استندت على كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، إذ تحفر الذات لنفسها وجوداً عبر تصور واختراع الآخر. وعندما انتهت الأفكار والتفسيرات صعدت نظرية المؤامرة التي تسعى إلى النيل من الإسلام حتى انتهى الأمر إلى التسطيح والاختزال المخل الذي لا يفسر ولا يشرح ولا رغبة لديه في التأمل (ربما من باب الملل أو اليأس أو الإرهاق؟).
لكن الثابت أنه لم يقم أحدٌ بطرح سؤال عما آل إليه وضع شقائق الرجال، لأن الأمر دائماً مرهون بما هو أكبر منه، من قبيل أنه لا بد من صلاح حال الأمة (وهي صياغة إسلامية لفكرة ماركسية). متى وقعت الواقعة وتحولت النساء إلى جسد بلا روح أو عقل يمكن لأي عابر سبيل النيل منهن؟ وأشكال النيل في العصر الحديث كثيرة ومتعددة تصل إلى حد دفع النساء إلى إنهاء حياتهن. الأكيد أن الخلل ليس متجذراً في الثقافة، فإذا عدنا لكتاب الباحثة الأميركية - على سبيل المثال - جوديث تاكر عن أوضاع النساء في مصر القرن التاسع عشر، لا بد أن تدهشنا أشكال الفاعلية المجتمعية في المهن والحِرَف وتنظيم العلاقات داخل العائلة. لا يمكن أيضاً أن نغفل وجودهن الملحوظ في المجال العام في كل الدراسات الخاصة بالمدينة الإسلامية.
بل يُمكن أن نعود بالذاكرة إلى بداية القرن، لنتذكر فاعلية النساء أثناء وجود الحملة الفرنسية في مصر. فقد قام الجنرال مينو قائد الحملة بإشهار إسلامه وتزوج بامرأة من مدينة رشيد اسمها زبيدة محمد البواب، وفي 1801 رزق منها بطفل سمّاه سليمان. كانت تلك وسيلة مينو للتقرب إلى المصريين من أجل دمج مصر في فرنسا حتى أن نابليون هنأه على «التضحية الوطنية». بعيداً عن دوافع مينو، كان لهذا الزواج أثر كبير في تأمل نساء رشيد لأحوالهن، فقد كن يلتقين في الحمام العام بزبيدة التي كانت تقص عليهن طريقة معاملة زوجها لها (كحال الطبقة المتوسطة والعليا في فرنسا)، وهو ما جعل النساء يثرن على طريقة معاملة أزواجهن لهن وقمن بكتابة خطاب لـ«السلطان» بونابرت يطلبن منه أن يفرض على أزواجهن معاملتهن كما تُعامل زبيدة.
بغض النظر عن نتائج هذا الفعل، التي تضاربت فيها الأقوال لا بد من قراءة دلالة الواقعة.
أولاً، كانت النساء على وعي بأنهن شقائق الرجال ومن حقهن المطالبة بمعاملة أفضل، خصوصاً أن زبيدة كانت منهن وقد تزوجت رجلاً «مسلماً». ثانياً، لا بد من فهم استماع النساء لزبيدة في الحمام ثم تداولهن في أوضاعهن بوصفه أول اجتماع نسائي عام كما أكد المؤرخون. أما الأمر الرئيسي فهو وعي النساء بما يفعلنه، فقد كن مناهضات للاحتلال وللحملة كفعل استعماري، بل كان البعض منهن يرى أن زواج زبيدة من رجل فرنسي (حتى لو كان مسلماً) هو بمثابة خيانة، لكنهن لم يترددن في أن يوظفن ما قد يحسن من ظروف الحياة. وفي النهاية فإن كتابة خطاب لنابليون تدل في حد ذاتها على القدرة على المبادرة واتخاذ القرار عبر توظيف كل ما هو متاح، وكأن النساء بذلك يعرفن تماماً ما يجب أخذه (المعاملة الطيبة) وما يتوجب نبذه (الاستعمار).
إلا أن هذه المواجهة التي نتجت عن معرفة بالآخر المختلف هي، تحديداً وبشكل مفارق، السبب في إجهاض المسار الثقافي لشقائق الرجال.
فمع مواجهة الآخر الغربي تحولت النساء إلى المؤشر الثقافي والاجتماعي الذي يساهم في الحفاظ على الهوية التي لا بد أن تكون مغايرة تماماً لهوية الآخر. تتفق الأطراف أن النساء مساويات للرجال في الكرامة الإنسانية والحقوق والتكاليف، فيما عدا ما استثناه الشرع والمجتمع والتقاليد والقانون والعائلة وعلاقات القوى والمصالح الأبوية.
* كاتبة وأكاديمية مصرية