جاميلي بووي
TT

جريمة ضد القوانين الإنسانية

في مقالي المنشور السابق خصصت مساحة لاستعراض تفاصيل «قانون داير» لمكافحة القتل من دون محاكمة لعام 1918، والذي كان أول تشريع رئيسي مناهض للإعدام خارج نطاق القانون جرى تقديمه إلى الكونغرس الأميركي.
وحمل التشريع اسم النائب ليونيداس سي. داير، جمهوري أبيض من ولاية ميسوري كان يمثل دائرة انتخابية ذات غالبية من أصحاب البشرة الداكنة في سانت لويس.
وانتُخب داير عضواً في الكونغرس عام 1910 وقدم مشروع قانون لمكافحة الإعدام خارج نطاق القانون عام 1911، لكن التشريع أُجهض، ومثلما ذكر المؤرخ فيليب دراي في كتابه «على أيدي مجهولين: قتل أميركا السوداء من دون محاكمة»، فقد ضاعف داير «جهوده بعد أعمال الشغب التي اندلعت في إيست سانت لويس عام 1917».
وعندما مثل داير أمام لجنة تابعة للكونغرس للتحقيق في أعمال العنف، أكد أن اعتداءات إيست سانت لويس ضد الرجال والنساء والأطفال السود الأبرياء تشكّل «أكثر الجرائم غدراً وإجرامية التي وقعت في هذا البلد»، وقدّر سقوط 500 قتيل من السود، ما يتجاوز بكثير أي تقدير آخر.
الملاحَظ أن مستوى الوعي العام ارتفع كثيراً خلال السنوات القليلة الماضية إزاء المذابح العنصرية التي وقعت أوائل القرن الـ20. من ناحيتها، جعلت محطة «إتش بي أو» نقطة انطلاق القصة في مسلسلها «الحرس»، مذبحة تولسا في أوكلاهوما عام 1921، وحرص الكثير من وسائل الإعلام على الاحتفاء بالذكرى المئوية لما عُرف بـ«الصيف الأحمر» عام 1919، الذي سقط خلاله المئات من القتلى في صفوف السود في خضمّ «أعمال شغب عرقية» اشتعلت في الكثير من مدن البلاد، منها شيكاغو وواشنطن العاصمة.
في المقابل، نجد أن أعمال الشغب في إيست سانت لويس التي وقعت عام 1917 كانت أقل شهرة وطواها النسيان إلى حد كبير، رغم أنها وقت حدوثها أثارت موجة واسعة من التعليقات والإدانات عبر مختلف الأطياف السياسية والآيديولوجية.
وشكّل الكونغرس لجنة تحقيق تألفت من خمسة أعضاء من مجلس الشيوخ وخمسة آخرين من مجلس النواب للوقوف على أسباب أعمال العنف الغوغائي والشغب في إيست سانت لويس وكتابة تقرير للكونغرس حول الأمر.
أما خلفية أعمال الشغب، فبدت واضحة في الغالب، ذلك أن سانت لويس كانت في ذلك الوقت واحدة من كبرى المدن في الولايات المتحدة، وبلغ عدد سكانها ما يقرب من 700.000 نسمة. وكانت سانت لويس وإيست سانت لويس -مجتمع مجاور عبر النهر في إلينوي- موطناً لعدد من الصناعات الرئيسية التي اجتذبت، خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، المهاجرين السود من الجنوب والمهاجرين البيض من جميع أنحاء البلاد، وكذلك مهاجرين من أوروبا.
ويرى البعض أن ثمة عاملين جعلا هذا الوضع قابلاً للاشتعال، أولهما: العنصرية التي مارسها البيض وتسببت في تقسيم صفوف العمال داخل المدينة. ثانياً: أدت الحرب المستعرة في أوروبا إلى زيادة الطلب على المنتجات الصناعية، مثل الفولاذ والألمنيوم، الأمر الذي زاد بدوره الطلب على العمالة. وعندما استغل العمال البيض هذه الأوضاع للإضراب للمطالبة بزيادة الأجور، لجأ أصحاب العمل للاستعانة بالعمال السود -المستبعدين من العمل النقابي- لإفساد الإضراب.
من ناحيته، أعرب المؤرخ تشارلز لامبكينز عن اعتقاده بوقوف السياسة وراء أعمال الشغب في إيست سانت لويس، موضحاً أن الأميركيين من أصول أفريقية داخل «إيست سانت لويس» أصبحوا مهرة في جهود التعبئة والحشد ككتلة انتخابية، ونجحوا في العمل كثقل قادر على تغيير موازين نتائج الانتخابات.
ويرى أن هذا الأمر جعل منهم مصدر قلق للسكان البيض الذين رأوا أن الناخبين السود أصبحوا يملكون القدرة على قلب نتائج الانتخابات. وعقد الزعماء السياسيون البيض والإصلاحيون التقدميون عزمهم على التصدي لتمدد النفوذ السياسي الأسود، الذي عدّوه تهديداً للبيض. واختار عملاء تابعون للدولة العنف حلاً لـ«المشكلة الزنجية» عام 1917.
بدأ العنف في 28 مايو (أيار) 1917، بعد أن وظّفت شركة ركاز الألمنيوم عدة مئات من العمال السود ليحلّوا محل العمال البيض الذين أضربوا عن العمل. في اجتماع لمجلس المدينة في ذلك المساء، احتشد قرابة 1000 شخص للاحتجاج أمام العمدة على تدفق الزنوج. وخلال الاجتماع نشر اثنان من رجال المباحث من شرطة المدينة البيضاء رواية مفادها أن رجال الدوريات قد اعتقلوا للتوّ رجلاً أسود أطلق النار على رجل أبيض. وعلى الفور، هرع الناس إلى سجن المدينة، في محاولة للقبض على المشتبه به وقتله. ووقعت اعتداءات على السكان السود القريبين وبعض الأضرار بالممتلكات، لكن هدأت الجلبة في النهاية.
عاودت روح الغوغاء لتطل برأسها من جديد في 2 و3 يوليو (تموز)، بتنظيم ودعم شخصيات من الطبقة السياسية البيضاء. وشكّلت مذبحة يوليو حلاً سياسياً خطط له بعض رجال العقارات والسياسيين ورجال الأعمال البيض. وحققت أعمال العنف العنصرية الجماعية في يوليو ما فشلت أعمال شغب مايو في إنجازه: القضاء على الدور المؤثر للمجتمع الأسود في السياسة الانتخابية المحلية.
ودمّر الغوغاء الأحياء واعتدوا على أي مقيم أسود أمكنهم العثور عليه، ومارسوا عنفاً مروعاً بحق الرجال والنساء والأطفال بسادية صدمت الأمة. ونهبوا المتاجر والمنازل وأشعلوا فيها النيران بعد أن حملوا الأثاث والملابس والأشياء الثمينة الأخرى. وسقط الكثير من الضحايا قتلى من دون محاكمة على خلفية هذه الأحداث.
ولم ينجُ البيض الذين حاولوا حماية جيرانهم السود من سوء المعاملة. وأفادت روايات بأن المهاجمين جرحوا أو قتلوا أو هددوا أشخاصاً بيضاً حاولوا إنقاذ السود أو منع تدمير المنازل والمتاجر المملوكة لأصحاب البشرة الداكنة. أيضاً، لم تنجُ من الاستهداف الشركات الصغيرة المملوكة لبيض والتي وظفت أعداداً كبيرة من العمال السود. وبدا واضحاً أن الغوغاء وقادتهم يرغبون في تأديب السكان البيض وطرد السود.
ولم يبدأ انحسار العنف إلا مع وصول قوات الحرس الوطني، لكن بحلول ذلك الوقت كان الغوغاء قد حققوا ما شرعوا في القيام به. لقد أصابوا الجالية السوداء في إيست سانت لويس بجروح قاتلة ومهدوا الطريق لهيمنة بيضاء على الساحة السياسية في المدينة.
وأعقب ذلك خروج مظاهرات للتنديد بما حدث في إيست سانت لويس، وحاول الكونغرس، من خلال أشخاص مثل داير، اتخاذ إجراءات للتعامل مع المشكلة، لكنني لن أترككم مع كلمات هؤلاء، وإنما اخترت لكم كلمات ماركوس غارفي المولود في جامايكا، رئيس «الاتحاد العالمي لتحسين أوضاع الزنوج»، والذي قال: «هذه جريمة ضد قوانين الأمة، إنها جريمة ضد الطبيعة، وجريمة ضد إله البشرية جمعاء».
* خدمة «نيويورك تايمز»