د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

عقيدة القياديين الخفية!

مثلما لكل جيش عقيدته القتالية، فلكل قائد مدني عقيدته كذلك. وتسمى في أدبيات القيادة بـ«doctrine»، وهي عمود الخيمة التي ترتكز عليها جل قراراته ومنطلقاته. هي رؤية القائد في «القتال» من أجل تحقيق تطلعاته. ذلك أن «العقيدة» فكرة جوهرية تميز القائد عن نظرائه.
وإعلان المسؤول عن عقيدته يساعد على استقطاب العقول المتماثلة (likemindedness) أو المهتمة. ولذلك حينما يكون هناك تغيير جذري في نوعية من يقود المؤسسة نتوقع بالمقابل تغييراً مشابهاً في الأداء واختيار عناصر جديدة واستبعاد «الحرس القديم» لتمهيد الطريق لحقبة نوعية.
‏ومن أمثلة عقائد القيادي، «عقيدة الانضباط»، وهي أن جل تركيزه يتمحور حول مدى تطبيق اللوائح والقوانين؛ حتى لو كان على حساب التأخر في الإنجاز. ولذلك تجد هذه الفئة من المسؤولين محاطة بقانونيين ولجان تدقيق، وينسون أحياناً صلب العمل أو الإدارات الجوهرية المنتجة. وهناك عقيدة «التراخي» لا يتحرك صاحبها حتى يقع الفأس بالرأس، وعقيدة التنفيع، والانتهازية وغيرها.
صحيح أن الأصل في العقائد الإشهار، مثل عقائد الجيش الهجومية أو الدفاعية. غير أن هناك من «يخفي» عقيدته. وذلك لأن دافعها الأساسي «عنصري» أو «إقصائي» لا تكترث للكفاءات، بل بمن «يطبل» أكثر! وهناك «عقيدة الانتقام»، وهي التي يمضي فيها المرء جل حياته المهنية في محاربة الآخرين، أو «تكسير مجاديف» المتفانين بالعمل خشية منهم! أحياناً يكون منشأها عقدة طفولة أو إخفاقات سابقة.
ومن أشهر عقائد القادة في الميادين السياسية، عقيدة رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر، وهي إيمانها بتعزيز «السوق المفتوح» كحل اقتصادي ينتشل بريطانيا من تراجعها، فضلاً عن «عقيدتها بالتغيير الجذري»، ولذلك واجهت معارك ضارية مع خصومها وجماهير العمال. وكانت إحدى عقائد نظيرها تشرتشل «عدم السماح لقوة فردية مطلقة في أوروبا». والرئيس الأميركي أطلق أمام الكونغرس في مارس (آذار) 1947 سياسة خارجية جديدة آنذاك، وهي «مواجهة التوسع الجيوسياسي السوفياتي». وهو ما اعتبر عقيدة أساسية استمرت حتى الوقت الراهن، وهناك من يرى أنها كانت البذرة الأولى للحرب الباردة بين المعسكر الأميركي والسوفياتي وحلف الناتو والتدخل في مناطق النزاع.
وعلى جانب الأعمال والتجارة، نتذكر جيداً كيف كان يضحك مسؤول شركة «مايكروسوفت» من خطوات شركة هواتف «أبل»، لصنع هاتف، حيث كان يتندر عليه، في مقابلة تلفزيونية شهيرة، لكونه لا يحمل لوحة مفاتيح. ثم أصبحت «أبل» أغنى شركة في التاريخ، وتقدم أجود المنتجات بفضل عقيدة رئيسها ستيف جوبز، التي يبدو أنها تتمحور حول «الجودة والإبداع». وقد صنع مجداً وقدم قطاعاً أذهل الناس، وغيّر مجرى حياتهم بفضل تلك الأيقونات (التطبيقات) التي صارت تحمل معاملات حكومة بأسرها، فضلاً عن الشركات بشتى أنواعها، ‏نحمل كل ذلك في جيبنا.
عقيدة القياديين تنبع من تجاربهم السابقة، أو الرؤية الحاذقة. غير أن مشكلة البعض في اعتناق عقائد يصعب تطبيقها في القطاع العام أو الخاص، والعكس صحيح. ولذلك كان من المهم أن ينفتح القيادي على جميع التوجهات، ولا يقصي أحداً، ويعيد النظر بين الحين والآخر بعقيدته، حتى لا تتحطم طموحاته على صخرة الواقع.