عادل أسعد الميري: مغرم بالأدب الفرنسي وتجمعني علاقة شخصية بعوالمه

صاحب «كل أحذيتي ضيقة» يرى أن هناك فوضى في الترجمة

عادل أسعد الميري
عادل أسعد الميري
TT

عادل أسعد الميري: مغرم بالأدب الفرنسي وتجمعني علاقة شخصية بعوالمه

عادل أسعد الميري
عادل أسعد الميري

علاقة حميمة تربط الكاتب والمترجم المصري عادل أسعد الميري بالكتابة الأدبية التي تستلهم روح الأمكنة، والاعترافات، وأصداء السيرة الذاتية. وقد انعكست هذه العلاقة على أعماله الروائية، وبخاصة «كل أحذيتي ضيقة» و«خيوط أقمشة الذات»، وكذلك في ترجماته المختارة من الأدب الفرنسي، وآخرها ترجمته رواية جوليان جرين «النومة الأخرى» الصادرة عن دار «العين» بالقاهرة.
هنا حوار معه حول هذه الأجواء، وأبرز مشكلات الترجمة في عالمنا العربي...
> ما الذي جذبك لترجمة رواية «النومة الأخرى»؟
- لأنني كنت طيلة عمري مغرماً بالأدب الفرنسي، وهناك علاقة شخصية تربطني بهذه الرواية بالذات. أتذكّر أنني كنت في العاشرة أقف أمام مكتبة صغيرة لبيع الكتب المستعملة في الإسكندرية، وحين وجدت هذه الرواية اشتريتها بقروش قليلة، وبدأت في قراءتها، إلا أن مستوى لغتي الفرنسية في ذلك الوقت لم يكن يسمح لي بقراءتها، فقلت في نفسي سيأتي اليوم الذي أقرأها فيه بسهولة، وسيأتي اليوم الذي أترجمها فيه إلى العربية.
> الأحلام في الأدب مادة ثرية للكتابة، برأيك ما الذي وجده بطل «جوليان جرين» في أحلامه؟
- في هذه الرواية تداخل واضح بين الواقع والخيال، فمثلاً حادثة زيارة البطل لمتجر بيع نماذج من تماثيل الآلهة اليونانية القديمة، جعل صورة هذه التماثيل تطارده في منامه وفي أحلام يقظته، وقُرب نهاية الرواية هناك المنزل المهجور الذي توقّف بناؤه بسبب الحرب العالمية الأولى، الذي كان البطل يتردّد عليه ليختلي فيه بنفسه، هل هذا واقع أم خيال؟ هو كان يهرب إلى خيالاته من واقعه الذي لم يكن يرضيه، وهذا هو معنى العنوان «النومة الأخرى»، أي هل كانت الخيالات واقعاً أم نتيجة نومة من نوع مختلف؟
> كتب بلاز سندرار «الدهشة» بروح جامحة تشارف اللامنطق، هل أحسست بهذا وأنت تترجم الرواية؟
- الشيء شديد الجاذبية في روايات بلاز سندرار بشكل عام، هو قدرته على التنقّل الدائم طوال حياته بين المهن والدول المختلفة، هذا هو الذي جذبني إليه في المقام الأول، فهو مولود في إيطاليا لأب مقتدر، أرسله في طفولته إلى مدرسة دولية للغات تعلم فيها 4 لغات، ثم انتقل إلى سويسرا ليدخل كلية الطب هناك، إلا أنه ذات يوم ترك الدراسة وقرّر اكتشاف الحياة، فأخذ قطاراً دون أن يعرف ما هي وجهته، وإذا بالقطار يخترق أوروبا الشرقية ويستـأنف الطريق إلى سانت بترسبورغ؛ حيث التقى على رصيف المحطّة برجلين، لم يكونا يتحدّثان بنفس اللغة فقام بالترجمة بينهما، فإذا بأحدهما يعرض عليه أن يعمل سكرتيراً له لمساعدته في التفاهم مع زبائنه لبيع المجوهرات. ذهب مع هذا التاجر إلى بكين في الصين ثم إلى أصفهان في إيران، ثم قرر أن يعمل بحاراً على الخطوط البحرية بين روتردام ونيويورك، وفي سنة 1907 حين شهدت أميركا وصول آلاف المهاجرين كان يقوم بالترجمة لهم في مكاتب الوصول إلى نيويورك، وهو ما ساعده في تجميع مادة روائية ثرّية. معروف أن هذه الرواية هي واحدة من 4 أعمال تشكل رباعية روائية، وقد ترجمت رواية ثانية من هذه الرباعية وهي رواية «المغامرة» وفيها يصف مثلاً معركة في روتردام بين بحّارة الدول المختلفة ليلة رأس السنة، ويصف مثلاً رحلة بحرية في المحيط الأطلنطي، وهكذا. أما الجزء الثالث من هذه الرباعية فهو عن «الذراع المفقودة» إذ فقد ذراعه اليمنى إثر انفجار قنبلة أثناء الحرب العالمية الأولى، ويحكي لنا فيها كيف استطاع أن يعيش بذراع واحدة، والجزء الرابع عن الأحداث القدرية في حياته، وأتمنى أن أقوم بترجمتهما كاملين.
> دخلت عالم الرواية من باب أدب «الاعترافات»... حدثنا عن تلك التجربة في ضوء كتابتك لـ«كل أحذيتي ضيقة».
- ظهرت «كل أحذيتي ضيّقة» سنة 2010. وهي كرّاسة كنت كتبتها أثناء تردّدي على أحد الأطباء النفسيين سنة 1998. وتحكي عن مشكلات الطفولة والمراهقة التي عانيت منها في مجتمع شبه مغلق، في مدينة طنطا (وسط دلتا مصر)، لأسرة من الطبقة المتوسّطة العليا، فالأب طبيب، إلا أن المعاناة جاءت من كون هذا الأب الطبيب مثالياً ملتزماً، وهو الذي دفعني إلى دخول كلية الطب، رغم أنني كنت أشعر أنني لن أكون طبيباً بأي حال من الأحوال، طباعي وشخصيتي لا تسمح لي بذلك. وقد تمكنت بصعوبة من إنهاء الدراسة في الكلية، إلا أنني اخترت بعد ذلك مهنة أخرى هي الإرشاد السياحي. أما أمي فكانت تعاني من حبّ التملّك، فلم تكن تسمح لي مثلاً باختيار ملابسي، بل هي التي كانت تشتريها لي وفقاً لذوقها هي، حتى وصولي إلى سن العشرين.
> هل شكلت لك «اعترافات» جان جاك روسو مرجعية في السيرة الذاتية؟
- أكثر نوع أدبي يثير اهتمامي هو أدب الاعترافات والسيرة الذاتية. قرأت لروسو رواية «إميل» التي تعرف كذلك باسم «التربية»، ويتحدّث فيها عن كيف ثقّف نفسه، وقرأت مقتطفات من الاعترافات، التي تدور في الأساس حول علاقاته العاطفية، إلا أنني لم أكتشف حقيقة روسو، إلا بعد قراءة «تأمّلات جوّال منفرد»، إذ اكتشفت حجم معاناته من عقدة البارانويا. لكن الأديب المصري الذي قرأته مبكّراً جداً وترك داخلي أثراً كبيراً، هو سلامة موسى، وقد كتب «تربية سلامة موسى»، وأسلوبي في «كل أحذيتي ضيقة» قريب الشبه به، وكذلك كتب موسى «التثقيف الذاتي» عن كيف ثقّف نفسه بنفسه، ومن الكتب التي أثرت في هذا السياق كتابان للعقاد، هما «أنا»، و«حياة قلم»، وكذلك «قصّة عقل» و«قصة نفس» لزكي نجيب محمود، وغيرها.
> طالما كان لباريس حضور واضح في أدب الرحلات والرواية العربية، حدثنا عن تجربة كتابتك لـ«تسكع على أرصفة باريس».
- ظللت طوال 15 عاماً أذهب إلى باريس كل صيف، لقضاء شهر أو شهرين أو 3 أشهر، في منزل أسرة زوجتي، وهو منزل من 3 طوابق وبحديقة كبيرة، كانت لنا فيه أنا وزوجتي حجرة دائمة. فكنت أغادر المنزل صباح كل يوم، وقد وضعت خطّة محكمة لاكتشاف باريس، مشياً على الأقدام، وباستعمال وسائل النقل العام، ثم زيارة القصور والقلاع والكنائس القديمة، التي تزخر بها باريس، وزيارة المتاحف، التي كانت غالباً متاحف للفنون الجميلة ولحضارات عريقة، اللوفر، ومركز بومبيدو، وقصر طوكيو، ومتحف أورسيه، والقصران الكبير والصغير، ومتحف كلوني، لقد زرت اللوفر مثلاً ليس أقل من 100 مرة، في كل مرة كنت أقرأ المكتوب عن فنان مثل رمبرانت أو مملينج وهما من المدرسة الهولندية في القرن السابع عشر. وقد وضعت في كرّاسة أسماء ومواقع 60 متحفاً داخل باريس الكبرى، ناهيكِ عن زيارة أصدقاء باريسيين كانوا غالباً من ضمن أفراد المجموعات السياحية، الذين كنت قد عملت معهم مرشداً سياحياً.
> في كتاباتك كثيراً ما تذوب الحدود بين الواقع والتخييل، هل تشغلك فكرة التصنيفات الأدبية؟
- لم تشغلني أبداً فكرة التصنيفات الأدبية، وقد استعمل إدوار الخرّاط عبارة «النوع العابر للأنواع»، كأن يكون في نفس العمل الأدبي قدر من الواقع الذي عاشه المؤلف، إلى جوار خيالات جامحة لا صلة لها بهذا الواقع، بالإضافة إلى معلومات توثيقية أو سيرة ذاتية، فأحد أعمالي الأخيرة «خيوط أقمشة الذات»، فصله الأول عن أفراد من أسرة والدتي كانوا مثاراً لاهتمامي، فخالها مثلاً كاد يكون من الضبّاط الأحرار، والفصل الثاني عن المدارس والمدرّسين الذين تركوا في حياتي آثاراً سلبية أو إيجابية، والفصل الثالث توثيق عن أهم الكتب التي قرأتها أثناء مراهقتي، والرابع عن أهم أفلام مراهقتي، والخامس عن الرحلة إلى إنجلترا سنة 1974. ومدينة «ستيفيندج» التي شهدت بداية وصولي إلى فكرة أن أكون حرّاً في اتخاذ القرارات في حياتي، وهي مدينة ريفية صغيرة، تقع على بعد 60 كيلومتراً إلى الشمال من لندن، أقمت فيها 4 أشهر في بيت شباب، وعملت هناك في مخبز آلي على بعد كيلومتر واحد من بيت الشباب. اليوم بعد نحو 50 عاماً لا أزال أتابع على «جوجل إيرث» الطريق اليومي الذي كنت أسلكه في الذهاب والإياب، بين بيت الشباب والمخبز الآلي. أما الفصل السادس فعن أحلامي التي جاءتني فعلاً في منامي.
> برأيك، ما أبرز إشكالات الترجمة في العالم العربي؟
- هناك فوضى في الترجمة، وبرأيي أهم هذه الإشكاليات عدم وجود خطّة واضحة، فقد أصدر «المركز القومي للترجمة» في مصر ما يقرب من 3 آلاف كتاب، دون خطّة واضحة، بل في الغالب تأتي الترجمات وفقاً لاقتراحات المترجمين. وبالنسبة لي، حصلت على دبلوم آثار مصرية سنة 1995. ودبلوم آثار إسلامية سنة 1997. وذهبت إلى المركز القومي لاقتراح ترجمة كتب في هذين العلمين، إلا أن اقتراحاتي لم تلقَ القبول. العمل الوحيد الذي ترجمته في هذا المجال هو «الفن المصري» لكريستيان زيجلر، التي كانت مديرة القسم المصري بمتحف اللوفر، وتم نشره في سلسلة «مصريات» بهيئة الكتاب، وكذلك كتاب عن «تأثير مصر القديمة على الديانة المسيحية»، وهو دراسة عن مؤلفات ثروت الأسيوطي، ونشرته دار «آفاق»، وكان بإمكاني ترجمة المزيد، كان يمكنني تقديم 10 عناوين، إلا أنني لم أجد أي تشجيع.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.