سلمان رشدي يروي صراعه مع الموت

أول كتاب يصدره بعد حادثة طعنه

سلمان رشدي
سلمان رشدي
TT

سلمان رشدي يروي صراعه مع الموت

سلمان رشدي
سلمان رشدي

«إذن إنه أنت»، يتذكر سلمان رشدي، وهو يفكر في صباح يوم 12 أغسطس (آب) 2022، عندما ركض نحوه رجل يرتدي ملابس سوداء، وانطلق تجاهه بسرعة بالغة مثل القذيفة، على خشبة مسرح في مدينة تشاتاكوا بولاية نيويورك، فكر رشدي: «ها أنت ذا».

لقد مر ثلاثة وثلاثون عاماً منذ أصدر المرشد الإيراني الخميني فتوى تقضي بقتل رشدي وكل من شارك في نشر روايته «آيات شيطانية» عام 1988. مر عقدان على الأقل منذ توقف رشدي عن الظهور العام في لندن، ثم انتقل إلى نيويورك، وكان يعيش فيها حياة شبه طبيعية. لكنه من الناحية الاجتماعية، صار مثل الزرافة، يأكل الأوراق من أعلى الأشجار، مبتعداً عن الجميع قدر الإمكان، لكنه شوهد في الحانات أحياناً.

كان الرجل ذو الملابس السوداء رمزاً من عالم أقدم، حتى إن رشدي ظن أنه نسيه إلى حد كبير.

من بين مفارقات صباح ذلك اليوم من أيام أغسطس أن رشدي كان في تشاتاكوا للمشاركة في مناقشة حول الحفاظ على «كُتاب العالم في مأمن من الأذى». وفجأة هجم عليه شخص. كان المهاجم لديه طاقة هائلة، وكانت لديه سكين أيضاً. وإذ كان مصعوقاً للغاية في محاولة حماية نفسه، رفع رشدي يده اليسرى فقط. في البداية، اعتقد بعض الحضور أن المشاجرة كانت مسرحية فنية.

في مذكراته الجديدة الصريحة والواضحة والمؤثرة، بعنوان: «السكين: تأملات بعد محاولة القتل»، يصف رشدي ما حدث بعد ذلك. الرجل ذو الملابس السوداء، يواصل الطعن بشدة، ظل معه وحده لمدة 27 ثانية. هذا وقت طويل بما فيه الكفاية، كما يشير رشدي عبر قراءة إحدى سونيتات شكسبير المفضلة لديه، وهي السونيته رقم 130.

لكن كتاب «السكين» يحتوي، من ناحية أخرى، على قصة حب. يروي رشدي لقاءه، وتودده وزواجه من الشاعرة والروائية الأميركية «راشيل إليزا غريفيث»، التي كانت تصغره بثلاثة عقود. وهي الآن السيدة رشدي؛ وقد مُنح زوجها لقب فارس عام 2007 لخدماته الأدبية. تضيف قصتهم بهجة وحيوية إلى هذه المذكرات. لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً حتى يتدفق هذا الضوء. أولاً، سيكون هناك تعاف وإعادة تأهيل شاقان.

يقول الشاعر جون بيريمان إن الفنان يكون محظوظاً عندما «يتعرض لأسوأ محنة ممكنة ولكن لا تقتله في الواقع. وفي تلك المرحلة، فإنه لا يزال يعمل». وهذا أمر مثير للسخرية ولكنه صحيح. نادراً ما قرأت عن الصدمات الجسدية الأسوأ أثراً.

تم تجميع جرح رشدي في البداية بواسطة الدبابيس الجراحية. وخرجت عينه التالفة من محجرها وتدلت على وجهه «مثل بيضة كبيرة مسلوقة». قضى وقتاً طويلاً على أجهزة التنفس الاصطناعي. كانت هناك أكياس صغيرة مربوطة بجسمه لجمع مجموعة متنوعة من السوائل المتسربة. لن يسمح له أحد بالنظر في المرآة. ومن الناحية النفسية، فإنه يعذب نفسه. لماذا لم يدافع عن نفسه؟ هل كان الأمر أن عمره 75 عاماً ومهاجمه 24 عاماً؟

يكتب قائلاً: «في بعض الأيام أشعر بالحرج، بل بالخجل، بسبب فشلي في محاولة الدفاع عن نفسي. وفي أيام أخرى أقول لنفسي ألا أكون غبياً، ما الذي أتصور أنه كان بوسعي فعله؟ هذا أقرب ما يمكنني فهمه من تقاعسي عن الرد: إن أهداف العنف تمر بأزمة في فهمها للواقع».

لا بد من القول إن هذا الكتاب ليس أكثر الكتب أناقة. فهو لا يتمتع بالثراء العاطفي والفكري والفلسفي مثل مذكرات الصحافي فيليب لانسون بعنوان «اضطراب» لعام 2019، حول النجاة من هجمات مجلة «شارلي إبدو» عام 2015 من قبل متطرفين يدعون الولاء لتنظيم «القاعدة». لكن رشدي كان حكيماً عندما التزم إلى حد كبير بالتفاصيل والبقاء بعيداً عن مسار قصته لإعادة صياغة ما قاله روي بلونت جونيور: «لقد وضعت هذا الكتاب جانباً مرة أو مرتين فقط كي أتخلص من آثار الإجهاد».

خلال فترة نقاهة رشدي، توفي صديقه مارتن أميس. وكاد صديق آخر، هو المحرر وكاتب عمود عن الطعام بيل بوفورد، أن يلقى حتفه إثر مشاكل في القلب. واكتشف أن صديقاً آخر، هو بول أوستر، مصاب بالسرطان (رحل في الثلاثين من الشهر الماضي). يكتب رشدي: «لقد مرت فترات عدة منذ الهجوم، حين تصورت أن الموت كان يحوم فوق رؤوس الأشخاص الخطأ».

وحده عقله بقي سليماً. فالمراجع الأدبية والسينمائية في «السكين» عميقة. وعرفنا من خلال المذكرات، أن رشدي من هواة المسلسل الطويل «القانون والنظام» لعام 1990، وأنه خلافاً لرأيه الأفضل يطلب كتباً من موقع «أمازون»، وأنه يحتاج إلى شيك تشاتاكوا لكي يسدد مقابل نظام تكييف الهواء الجديد. وما إلى ذلك.

وهو يشعر بإحباط ذاتي بشأن وزنه، الذي كان 240 رطلاً في وقت الهجوم. فقد 55 رطلاً في الأشهر التي تلت ذلك. وهو لا ينصح بتقنية إنقاص الوزن.

وهو يكتب، في مكان آخر من الكتاب، بأنه لم تعد لديه أي رغبة في الدفاع عن الـ«آيات شيطانية» أو عن نفسه، مع أن النبذ والتخلي هما آخر ما يفكر فيه. «إذا كان أي شخص يبحث عن الندم»، كما يكتب، «يمكنه التوقف عن القراءة عند هذا الحد».

هناك محور حاد بالقرب من نهاية هذه المذكرات. ففي كل زاوية منها، قدم رشدي كتلاً من المعلومات عن مهاجمه العدائي، الذي اختار أن يشير إليه «بحرف الألف»، بدلاً من وصف «الحمار» الأقل لياقة الذي كان يفضل استخدامه. قبل الهجوم، كان (أ.) في تشاتاكوا لعدة ليال، ينام في العراء، ويتفقد الموقع. كان يحمل بطاقة هوية مزورة، واسمه المزيف عبارة عن مزيج من أسماء المتطرفين الشيعة المعروفين. كان يعيش في الطابق السفلي لمنزل والدته في نيوجيرسي، ويلعب ألعاب الفيديو ويشاهد «نتفليكس». وقد تحول إلى التطرف من خلال مقاطع فيديو على موقع «يوتيوب»، كما اشتبهت والدته في تطرفه من خلال رحلة إلى لبنان عام 2018.

يقرر رشدي عدم محاولة التحدث معه وجهاً لوجه. بل يتخيل مقابلة معه، محادثة تستهلك 30 صفحة من هذا الكتاب. لن أكشف محتوى هذه المقابلة المتخيلة، لكني أقول إن الموضوعات تشمل التطرف، والقسوة التي تأتي مع اقتناع ضيق الأفق بأن قضيتك عادلة، والكراهية، والضحك، ومحو الأمية، وعضوية الصالات الرياضية، والأمهات، ونادي نيويورك جاينتس.

«السكين» هو كتاب توضيحي. فهو يذكرنا بالتهديدات التي يواجهها العالم الحر. ويذكرنا بالأمور التي تستحق أن نناضل من أجلها. وفي أعقاب الفتوى الأولية، شرح كريستوفر هيتشنز صديق رشدي، المخاطر ببلاغة. وقد رسمت هذه القضية خطاً فاصلاً بين «كل ما أكرهه مقابل كل ما أحبه»، كما كتب. «في عمود الكراهية: الديكتاتورية، والتعصب الديني، والغباء، والغوغائية، والرقابة، والتنمر، والترهيب. في عمود الحب: الأدب، والسخرية، والفكاهة، والفرد، والدفاع عن حرية التعبير». وهي كلمات تنسحب على هذا الكتاب.

هناك العديد من الأسئلة المتروكة بوصفها تساؤلات مفتوحة مع نهاية كتاب «السكين». من غير المؤكد ما إذا كان رشدي سيفقد البصر في عينه المتبقية بسبب التنكس البقعي. ومن غير الواضح في أي مكان سوف يختار كل من رشدي وغريفيث أن يعيشا. لكن مزاج هذا الكتاب يتحدد من خلال ذلك السطر حول الخروج إلى مطعم للمرة الأولى منذ الهجوم: «بعد ملاك الموت، يأتي ملاك الحياة».

* خدمة «نيويورك تايمز»

* الكاتب ناقد ومراجع للكتب في صحيفة «التايمز» منذ عام 2008 وقبل ذلك كان محرراً في مجلة «بوك ريفيو» لعقد من الزمن لا بد من القول إن هذا الكتاب ليس أكثر الكتب أناقة فهو لا يتمتع بالثراء العاطفي والفكري والفلسفي



وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود
TT

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث الأكاديمي، وما أثارت أفكاره من نقاشات في العديد من الجامعات البارزة في العالم الأنجلوساكسوني بالدرجة الأولى، وانعكست عبر الكثير من المجلات الأكاديمية المتخصصة في التاريخ الروماني-البيزنطي.

لقد صدر كتابه الأول القائم على أطروحة الدكتوراه عام 2010 عن دار نشر جامعة أكسفورد، أي إن البروفسور وود كان في سن السابعة والعشرين، ولا بد أن صدوره تطلب انتظاراً لعامين على الأقل، أي إنه كان قد حاز درجة الدكتوراه وهو ربما في سن الخامسة والعشرين.

استعار وود جزءاً من عنوان كتابه من شعار رفعه سكان مدينة الرُّها (أورفا التركية حالياً) خلال الحصار الذي فرضه الشاه الساساني قُباذ الأول حول أسوارها عام 503 ميلادية مطالباً بفتح أبوابها، وفيه عبروا عن معارضتهم للملوك الأغراب، سواء كانوا ببيزنطيين، أو ساسانيين: «لا ملك عندنا غير المسيح».

كتب المؤرخ الكندي جفري غريتريكس من جامعة أوتاوا الأميركية في دورية «بي إم سي آر» في عددها الصادر يوم 31 مايو (أيار) 2011 مراجعة للكتاب جاء فيها: «يُعدّ كتاب فيليب وود عملاً أولاً لافتاً للنظر، ويختلف كثيراً عن معظم الأعمال المقتبسة من رسائل الدكتوراه. فالكتاب واسع الأفق، ومقتصد في استخدام الهوامش، ومحفّز فكرياً في الصورة التي يرسمها للمشرق الروماني في القرنين الخامس والسادس الميلاديين».

ورأى آدم شور المؤرخ المتخصص بأواخر العصر القديم Antiquity والأستاذ في جامعة ساوث كارولاينا الأميركية في مراجعة أخرى أن أهمية الكتاب «تكمن في أنه لا يدرس اللاهوت وحده، بل يدرس تشكل هوية سياسية وثقافية سريانية مستقلة داخل عالم تهيمن عليه الإمبراطورية الرومانية المسيحية».

يركّز الكتاب على الكيفية التي بدأت بها الجماعات المسيحية السريانية في سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين في تطوير هوية دينية-سياسية خاصة بها داخل الإمبراطورية البيزنطية، وهذا التطور الفكري والثقافي ساهم لاحقاً في تهيئة بعض الجماعات المسيحية الشرقية للتكيّف مع الحكم العربي الإسلامي بعد الفتح، لأن ولاءها الديني والثقافي لم يكن مرتبطاً بالكامل بالإمبراطورية البيزنطية.

فخلال المرحلة الأولى من نشوء الدولة الأموية استمر السِّريان في إدارة الدواوين، وخصوصاً في الشام، وكانت الإغريقية والسريانية مستخدمتين في بعض الدواوين قبل تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان.

أما خلال عهد العباسيين، فقد بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية، خاصة في بغداد، حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى في بيت الحكمة، إذ ترجموا هناك الكثير من كتب الفلسفة اليونانية، والطب، والرياضيات، والمنطق، وعلوم الطبيعة. وغالباً ما كانت الترجمة تمر من اليونانية إلى اللغة الآرامية (السريانية)، ثم إلى العربية.

كان حُنين بن إسحاق من أعظم المترجمين في التاريخ الإسلامي، فهو من ترجم جالينوس، وأبقراط، وأرسطو. وهناك ثابت بن قرة الذي هو من أسرة سريانية-صابئية في حران، وأسهم في الرياضيات، والفلك، وفي بغداد كان يوحنا بن ماسويه من أشهر أطبائها.

سنوات التأهيل

كان السؤال الذي دار في بالي عند لقائي بأستاذ الديانات المقارنة والباحث في الكتابات التاريخية فيليب وود هو التالي: كيف جاء اهتمامك بتاريخ الآراميين السريان في العراق وسوريا؟

وكانت المفاجأة أن ذلك الولع جاء بفضل سفرة بحرية قام بها وهو في سن الحادية عشرة من خلال المدرسة الابتدائية التي كان يتلقى تعليمه فيها. «يعود اهتمامي هذا أولاً إلى وقوعي في حب سوريا. حين كنت طالباً في المدرسة ذهبت إلى شرق المتوسط لوحدي من دون والديّ. وتلك الرحلة كانت مهمة. تأثير السفر برؤية العالم لا من خلال عيون الوالدين. والداي التقيا أولاً في ماليزيا، وكنا هناك، أنا رافقتهما في السفر إلى إندونيسيا، والصين، وماليزيا، وتايلاند. كنت دائماً معهما. لكن تلك الرحلة في الباخرة كانت المرة الأولى لي في مكان آخر، لذلك فأنا ذهبت من دون أي مساعدة إلى فلسطين، ومصر، وكريت، وقبرص لوحدي، في رحلة بحرية. وأظن أنه كان مهمّاً أن أرى هذه الأماكن من البحر للمرة الأولى بدلاً من الوصول إليها إلى مطاراتها بالطائرة».

ثم خلال المرحلة الأولى الجامعية درس وود تاريخ الحروب الصليبية على يد أستاذ اسمه جوناثان رايلي سميث. «كان إنساناً إنجليزياً تقليدياً، وقد تنقل خلال رحلاته داخل سوريا في كل مناطقها، وأراني كل الصور التي التقطها هناك».

وفي عام 2002 حين لم يبلغ بعد سن العشرين لم يكتفِ وود بزيارة سوريا فقط. وقد حاول آنذاك إقناع بعض الأصدقاء لمرافقته، ولكن لا أحد رغب في ذلك.

«في عطلة عيد الميلاد، اشتريتُ تذكرة إلى دمشق، وفي بداية عام 2003 ذهبت إلى دمشق، وحلب، وتدمر، ومن هناك تنقلت بين المدن الأخرى عن طريق إيقاف السيارات العابرة. قضيت وقتاً رائعاً، وكان شعوري في دمشق أن المدينة حافظت على تركيبها كمدينة رومانية».

«كيف ذلك؟» أسأله محفزاً. «أظن أنه هناك كثيراً من كتابات المستشرقين التي أكدت أن دمشق كانت المدينة الرومانية المثالية، ولكنها تحت الحكم الإسلامي شُوِّهت، وفقدت طابعها، ولكنني لم أشعر بذلك أبداً، بل كنت أشعر دائماً أن المدينة الإسلامية هي تطوُّر للمدينة الرومانية. وهذا ما جعلني مقتنعاً بأن ذلك ينطبق على الكثير من المناطق المدينية في سوريا، وأناضوليا. بل وأرى أن بقاء النمط المعماري الروماني أكثر في تلك المناطق مما هو قائم في الغرب. وهذا ينطبق على لبنان أيضاً، إذ تجد أن هناك استمرارية في نمط العمارة الذي تشاهده في الإمبراطورية الرومانية، وهذا أكثر بكثير مما نجده في الغرب».

هذا الجانب كان أحد المواضيع التي شغلت د.فيليب، آنذاك وقد توصل إلى قناعة أن سيادة المجتمع الإسلامي في المناطق التي كانت تحت حكم الرومان لفترات طويلة لم تكن عنصر تحلل وتفكك في مجال العمارة، بل فترة تطور وتكيف لما كان موجوداً سابقاً، سواء كان ثقافياً، أو بما يخص الأنظمة المدنية.

«ثم درستُ التاريخ في جامعة كمبردج، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس فيه. وهذا تضمن دراسة مواضيع أخرى مثل تاريخ الفكر السياسي، والتاريخ الاستعماري. وأنا قمت بالعديد من البحوث المتعلقة بالأثنوغرافيا الاستعمارية. (الأثنوغرافيا هي دراسة الحياة اليومية للمجتمعات ضمن سياقاتهم الثقافية)».

إضافة إلى ذلك درس وود خلال المرحلة الجامعية الأولى عالم روما في مرحلته الأخيرة، وكتب أطروحته عن المانوية. وهذا ما جعل كل من كان يعرفه يعتبر اختياره جنونياً. يعلق وود ضاحكاً: «وربما كانوا على حق!».

بدء مرحلة التخصص

يشكل التاريخ الروماني البيزنطي حقلاً أساسياً في العديد من الجامعات العريقة مثل كمبردج، وهذا يعود إلى كون الإمبراطورية الرومانية الغربية انهارت في القرن الخامس الميلادي في حين أن قسمها الشرقي الذي عاصمته القسطنطينة (إسطنبول لاحقاً) ظل قائماً حتى سقوط هذه المدينة بيد العثمانيين عام 1453، رغم فقدانها آنذاك كل أراضي الشرق الأوسط قبل قرون عديدة.

«اخترتُ حقل الدراسات البيزنطية للماجستير، ومع هذا الاختيار بدأتُ في تعلم الإغريقية (اليونانية) والسريانية، ومن هنا بدأت رحلتي مع اللغات».

بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية خلال عهد العباسيين خاصة في بغداد حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى

ولا بد أن وود كان محظوظاً أن يدرس على يد أستاذ حريص على اتباع أسلوب قديم في التدريس يدعى جيمس هوارد جونسون، ومعه درس موضوع الإمبراطورية البيزنطية، وكان هذا الأستاذ مهتماً بالجيوش، وبنى الدولة، وهذا ما قاده إلى الأدب الآرامي (بلهجته السريانية). «وتحت تأثير تلك الفترة من دراستي للماجستير، اتخذتُ قراراً أن تكون الدكتوراه في خريف التاريخ الروماني مع البروفسورة أفيرِل كاميرون التي كانت من بين الأوائل التي طبقت كتابات ميشيل فوكو على أواخر العصر الكلاسيكي القديم».

وكانت د.كاميرون قد ألفت كتاباً ترك أثراً كبيراً على طالب الدكتوراه فيليب عنوانه: «المسيحية والخطاب الإمبراطوري». وكانت مهتمة باستكشاف كيف أن التوحيد (الإيمان بإله واحد) تفاعَلَ مع الثقافات الحضرية في الشرق الأوسط، وهذا ما حدد، كما رأت، ملامح أواخر العصر القديم، «وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرى نوعاً من الاستمرارية ابتداء من الإمبراطور قسطنطين... وهذه هي المنطقة التي تجذبني... هذه الوحدة... لديك إمبراطورية عالمية، وثقافة حضرية وتوحيد... وضمن هذا السياق لم يكن قدوم الإسلام مخالفاً لما هو قائم... إنه كان حركة جديدة ضمن السيمفونية نفسها. فهو لم يكن اقتحاماً، بل قطعة موسيقية متواصلة».

كتب فيليب أطروحته مع أستاذته أفيرِل كاميرون، وأكملها في عام 2007 «أتذكر أن مخطط أطروحة الدكتوراه حضرني وأنا هناك، كنت جالساً في سوق النحاسين بمدينة أورفة (الرُّها سابقاً) وأنا أستمع إلى أصوات المطارق المعدنية المتواصلة حولي. وعلى ورقة كبيرة خططت الكتاب كاملاً».

وكان هذا الكتاب عن المسيحيين السريان في سوريا الكبرى قبيل الفتح العربي-الإسلامي.

يقول وود موضحاً: «كان مهيَّأ لي إلى حد ما كتابة تاريخ برؤية حديثة، لذلك حاولت تطبيق الأسئلة نفسها التي يستخدمها المؤرخون الذين يتناولون العصر الحديث حول الاعتزاز بالهوية الوطنية والدولة، لكن طرح هذه الأسئلة على الإمبراطورية الرومانية. لذلك فنحن لدينا عالم خالٍ من أية نزعة انفصال قومية، ولكن مع ذلك ما زال لدينا عالم يعبّر الناس فيه بوضوح عن كل أنواع الاستقلال الثقافي».


المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض
TT

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان، ولذلك ارتبطت دراسة الآداب العالمية والعربية بمفهوم المرجعية الجغرافية والتاريخية بوصفهما عنصرين أساسيين في فهم النصوص الأدبية وتأويلها. فالنص الأدبي لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل داخل بيئة جغرافية محددة وسياق تاريخي معين ينعكسان على لغته وصوره ورموزه وقضاياه. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تدريس الأدب الخليجي في الجامعات الخليجية، باعتباره تعبيراً عن تجربة ثقافية وحضارية نشأت في فضاء جغرافي وتاريخي خاص، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي المعاصر.

تمثل الجغرافيا الخليجية العربية أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة؛ فالبحر والصحراء والموانئ القديمة وطرق التجارة والغوص على اللؤلؤ ليست مجرد عناصر مكانية، بل تحولت إلى رموز ثقافية شكّلت الوعي الجمعي لسكان الخليج العربي، وانعكست بصورة واضحة في الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرح. ومن خلال دراسة الأدب الخليجي العربي يتعرف الطالب إلى العلاقة بين المكان والإبداع، ويدرك كيف أسهمت البيئة المحلية في تشكيل الرؤية الأدبية والإنسانية للكاتب الخليجي.

أما المرجعية التاريخية فتتمثل في قدرة الأدب الخليجي على توثيق التحولات التي شهدتها المنطقة عبر مراحلها المختلفة؛ من الحياة التقليدية قبل النفط، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت بناء الدولة الحديثة، وصولاً إلى التحديات الثقافية المرتبطة بالعولمة والتحول الرقمي. وبهذا المعنى يصبح الأدب مصدراً معرفياً يوازي الوثيقة التاريخية؛ لأنه يرصد تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الأفراد وتصوراتهم تجاه الأحداث والتحولات الكبرى.

وتشير مراجعة أولية لعدد من الخطط الدراسية المعلنة في الجامعات الخليجية، والمتاحة عبر الأدلة الأكاديمية الإلكترونية (Course Catalogs)، إلى أن الأدب الخليجي لا يزال يحظى بحضور محدود مقارنة بالأدب العربي العام. فبينما تستحوذ مقررات الأدب العربي القديم والحديث والنقد الأدبي على ما يقارب 80-90 في المائة من إجمالي المقررات الأدبية، لا تتجاوز نسبة المقررات المتخصصة مباشرة في الأدب الخليجي ما بين 3 في المائة و8 في المائة في معظم البرامج الأكاديمية. كما يدرس الطالب في المتوسط ما بين 20 و30 مقرراً أدبياً خلال مرحلته الجامعية، مقابل مقرر واحد أو مقررين فقط يتناولان الأدب الخليجي بصورة مباشرة. وتكشف هذه المؤشرات عن أن الأدب الخليجي غالباً ما يُقدَّم بوصفه جزءاً تكميلياً داخل السردية الأدبية العربية العامة، لا بوصفه مجالاً معرفياً يمتلك مرجعيته الجغرافية والتاريخية الخاصة.

- كاتب وناقد كويتي


قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»