طه حسين... سبق عصره ولا يزال «عابراً للأجيال»

كتاب مصريون يتحدثون عن عميد الأدب العربي في الذكرى الـ«50» لرحيله

كرمة سامي
كرمة سامي
TT

طه حسين... سبق عصره ولا يزال «عابراً للأجيال»

كرمة سامي
كرمة سامي

بعد خمسين عاماً على رحيله، لا يزال عميد الأدب العربي طه حسين (15 نوفمبر «تشرين الثاني» 1889 - 28 أكتوبر «تشرين الأول» 1973) يتمتع بحضور فاعل في الوجدان الثقافي العام، بمواقفه وآرائه وكتاباته ومعاركه الأدبية، ورؤيته النقدية الجسورة لمشروع النهضة العربية... في هذا التحقيق يتحدث كتاب ومثقفون مصريون لـ«الشرق الأوسط» عن درس طه حسين، وكيف نستفيد منه من أجل مستقبل أفضل. وأجمعوا على أن طه حسين سبق عصره، فرغم مرور نصف قرن على رحيله، لا يزال يتمتع بحضور قوي في الثقافة العربية بما طرحه من آراء وأفكار حية، وكان جسوراً في معالجة قضايا التراث، برؤية منفتحة ومنهج نقدي ثاقب.

حسين محمود

جسارة الرؤية في تحديث الثقافة العربية د. حسين محمود ـ أستاذ الأدب الإيطالي

لا يزال طه حسين حاضراً في الجدل الثقافي في عالمنا العربي، متجاوزاً ما واجهه من أزمات وصلت للذروة خلال حياته، وجعلته يخوض كثيراً من المعارك الفكرية وانتصر فيها. جسارة طه حسين لم تتجسد في استعداده لخوض المعارك، ولا يمكن تصويره على أنه كان يهواها؛ لكنه كان صنديداً في إعلانه عن مشروعه النقدي ورؤيته للنهضة العربية وسبل الوصول إليها، ودفاعه العقلاني والمنطقي عن هذه الرؤية. ولولا جسارته في تقديم رؤيته لكنا الآن في وضع حضاري يشبه وضعنا في بداية القرن العشرين أو أشد تخلفاً. ولو استسلم للماضويين الذين حاربوه باسم الأصالة والحفاظ على قدسية الموروث العربي، لظللنا نعيش في ثقافة عاجزة عن مواجهة العصر واحتياجاته، فنظريته النقدية القائمة على الشك لم تتجاهل ثراء وعظمة التراث الإبداعي العربي. كان جسوراً في دعوته لتحديث الثقافة العربية بقدر ما كان صادقاً في هذه الدعوة. لم يكن خائفاً من تحدي السائد المتصلب والمتشدد في النظر إلى التراث العربي، وقام بنفسه بتطبيق الأساليب النقدية الحديثة في عمله الشهير حول «الشعر الجاهلي»، حيث طرح فكرة إعادة النظر فيما ورثناه من آراء يمكن أن تكون زائفة أو تعرضت للتحريف لأسباب مختلفة، وهو ما أثار المحافظين فاتهموه بالردة، لكن النيابة المصرية المنصفة برأته.

كان جسوراً عندما دعا في «مستقبل الثقافة في مصر» إلى التوجه غرباً، لانتمائنا الطبيعي والجغرافي لغرب العالم، حيث يقع البحر المتوسط، وهو ما عدَّه مجالنا الثقافي الحقيقي. والحقيقة أن هذا هو الاتجاه الحضاري الذي يدفع إلى التقدم الذي أخذت به كل الدول التي أرادت أن تتقدم. وكان جسوراً عندما نادى وعمل على تعليم المرأة، واصطف بجانب أعلام النهضة الكبار، وعلى رأسهم رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، وكان رأيه أن تعليم المرأة هو السبيل الوحيد لتمكينها، وهذه الأفكار التقدمية هي التي انتصرت في النهاية. باختصار: كانت كل أعمال طه حسين، سواء النقدية أو الإبداعية، حتى محاضراته الجامعية، تنطلق من رؤية شجاعة لمستقبل الثقافة العربية، لا نزال في أشد الحاجة إلى أن نعيها ونأخذ بها.

طه حسين

أول نموذج للمثقف العضوي د. كرمة سامي ـ رئيسة المركز القومي للترجمة بالقاهرة

طه حسين كان جسوراً صاحب همة ونفس مؤمنة «إيمان القلب والعقل والضمير». تميزت مسيرته عبر تاريخه بالشجاعة في التعلم والتعليم والكتابة النقدية والسردية والذاتية، ومواجهة النقائص الثقافية والتفاني في علاجها. كان أول نموذج واضح للمثقف العصري العضوي، يناقش قضايا مجتمعه بنور بصيرته، ويشكله بأفكاره التقدمية، ويختلف ويخالف ويعارض، لكنه يشجع.

اقرأوا بتمعن «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي صدر عام 1936، ستكتشفون كأنه كتب لعام 2036... ادرسوا خطته المتكاملة في هذا السِّفر الضخم لمحو الأمية اللغوية والمعرفية، ورأب الصدع بين التلميذ وتراثه الثقافي، وإزالة آثار العداء بين الثقافة القومية والعربية، ومشروعه المتكامل لبناء «الأمة الراقية» و«تيسير علوم اللغة»، ومطالبته بمناهج «واضحة سهلة قريبة إلى العقول والقلوب». ولو كان بيننا لهاجم الأسلوب الذي تُدرس به سيرته الذاتية «الأيام» لطلاب المدارس؛ لأنه أراد أن تكونَ اللغةُ العربية «أقربَ إلى نفوس التلاميذ».

اجتهد طه حسين في دراسته في جامعة «السوربون» فكان يدرس كلاسيكيات الغرب صباحاً، ثم يجلس ظهراً مع زوجته في إحدى الغابات الصغيرة المحيطة بباريس، تقرأ عليه الروايات المسلسلة ذات الشعبية الطاغية، ومنها استلهم مساره السردي الفريد الذي ميزه عمن سبقه وعاصره أو جاء بعده. وخرج بقوالب سردية أدهشتنا حين خالفت إطارها الزمني في «دعاء الكروان»، و«خطبة الشيخ». ولهذا يكتشف الباحثون عند قراءة أعماله الأدبية نتائج مدهشة وموقفاً إنسانياً مستنيراً يسبق عصره. يضع به «آمنة» بطلة «دعاء الكروان» التي كتبها ببصيرته عام 1924 قبل «ليلى» بطلة لطيفة الزيات في «الباب المفتوح» 1960، و«مريمة» بطلة رضوى عاشور في «ثلاثية غرناطة» 1994. كتب طه حسين مقالاً نشر في كتاب «اليونيسكو» احتفالًا بمئوية غوته الثانية عام 1949، ووصفه بـ«التوازن» وحياته بأنها «منسجمة كأنها مقطوعة موسيقية جميلة». وأحسب أن هذا الوصف ينطبق على مسيرة طه حسين وأعماله التي تمتد آثارها تناغماً واتساقاً وصدقاً، حتى بعد رحيله بالجسد بخمسين عاماً.

أماني فؤاد

منظور عقلاني في قراءة التاريخ د. أماني فؤاد ـ ناقدة وأكاديمية

حين أعمَل طه حسين عقله فيما قرأه من الموروثات الخاصة بالسيرة؛ وجد أن أغلب ‏الخطابات والمرويات لا يمكن إثباتها تاريخياً، كما أنها تتضمن مبالغات بلا حصر، وبها ‏قدْر عالٍ من تمجيد المواقف، والنزوع بالأحداث نحو «الأسطرة»، ولذا ارتأى بدلاً من ‏تقويضها بالمنهج العقلاني والتاريخي، أن يتفاعل معها فنياً وأدبياً، ويعيد إنتاجها كما يفعل الغرب مع موروثاتهم ‏الأدبية، هذا هو ما يستشعره القارئ لمقدمة كتاب «على هامش السيرة». أراد طه حسين بهذا الصنيع أن يدفع بالعقل العربي ليناقش ويسائل كل الموروثات، حتى ‏التي أكسبها الأقدمون بعض صفات القداسة، وهي ليست كذلك. ربما أراد أن يقول إن كل ما وضَعه العقل العربي الإسلامي يمكننا أن نسائله، فهو لا يتضمن ‏قداسة لأنه من تأليف ومخيلة البشر، موروث يلهمنا لإنتاج خطابات أدبية أخرى تجادله ‏وتتناص معه، لا بوصفه حقائق تخضع للعقل. وهذا الصنيع هو بعض ما يجعل الجميع ‏يقول عن طه حسين إنه الرائد والمعلِّم الأول للتنوير، وعلى خطاه سار كبار الباحثين ‏العرب يسائلون التراث.‏

تعامل طه حسين مع هذه الموروثات بمنطق الفن، مادة تستفز حالة من الجدل مع مضمونها، ‏ومن ثم الإلهام، والبناء عليها فنيّاً، الخيال الذي يستهدف المتعة، لكن لم يتعامل معها ‏كحقائق تاريخية، أو أنها تخضع للبحث العلمي،‏ فهذا نهج غير عقلاني. إن المقدمة التي كتبها طه حسين لكتابه «على هامش ‏السيرة»، تنص صراحة على أن ما ورد بالكتاب ليس سوى إبداع على موروثات السيرة الأسطورية في أغلبها، وأنه أراد ‏كتابة أدبية تخيُّلية، لا تنضوي تحت التاريخ ولا العقلانية. ‏يتحدَّث الكاتب عن أدب، وليس عن أخبار تاريخية ‏وسِيَرِيَّة، وكلنا يعلم أن الجزء المتخيَّل في الأدب هو الذي يهيمن على الخطاب الفني.

ثم يتحدَّث طه حسين عن إلياذة هوميروس، وأنها لم تزل تُلهِم الكتَّاب حتى عصره، ‏ويعقِّب بَعدها قائلاً: «إن قوماً سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم محدَثون يُكبِرون العقل، وأحبُّ أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس مَلَكاتٍ أخرى».

سهير المصادفة

تأثير أدبي عابر للأجيال سهير المصادفة ـ كاتبة روائية

كثير من البنات كنّ يتسربن من حصّة اللغة العربية، بينما أنتظرها بشغف، لكي أجيب عن أسئلة المدرس بعد أن يقرأ فقرة من «الأيام» لعميد الأدب العربي طه حسين المقررة علينا: «يذكر أن قصب هذا السياج كان أطول من قامته، فكان من العسير عليه أن يتخطاه إلى ما وراءه». تكاد قدماي تتحركان لتحملا الصبي وتعبرا به السياج، لكن هل كان الصبي سيسمح لأي مَن كان أن يساعده؟ هو الذي كان يكره الشفقة، وأن يعامله الآخرون معاملة خاصة، فاجتاز وحده كل الأسيجة التي اعترضت طريقه، حتى خرج من الظلمات إلى النور.

لقد أثرت «الأيام» على جيلي وأجيال أخرى من الكتاب، كان نور عقله المشع يتسلل إلى عقولنا الصغيرة آنذاك فيتناثر شهباً. أسمّي شارعاً باسمه في أولى رواياتي: «لهو الأبالسة»، وأختار في إحدى محاضراتي مفتتح «الأيام» كأروع وأنجح الفقرات الاستهلالية لكتاب يجعل القارئ يخمن عنوانه دون أن يراه: «لا يذكر لهذا اليوم اسماً، ولا يستطيع أن يضعه حيث وضعه الله من الشهر والسنة، بل لا يستطيع أن يذكر من هذا اليوم وقتاً بعينه، وإنما يقرب ذلك تقريباً». والآن ورغم مرور السنوات، ما زال «طه حسين» الأكثر تأثيراً وإثارة للمعارك الكبرى، فلقد كان يخلخل منظومة الثبات والركود بألمعية وإيمان، لا من أجل الهدم، وإنما لكي ينطلق بتراثه إلى آفاق أرحب، فيحقق لأمته التفوق والتنوير؛ في التعليم الذي أصر أن يكون كالماء والهواء، وفي الثقافة، وفي تنقية الإرث العربي من الخرافات، وفي حقّ المرأة في الحياة. مَن يصدق أنه رغم مرور تلك السنوات، ما زلت أبكي حين أسمع صوته الرخيم مع نهاية فيلم «دعاء الكروان»، المأخوذ عن روايته الأشهر التي تحمل الاسم نفسه، وهو يقول: «أترينه كان يرجّع صوته هذا الترجيع حين صُرعتْ (هنادي) في ذلك الفضاء العريض!».

إيهاب الملاح

إعادة اكتشاف التراث العربي إيهاب الملاح ـ مؤلف كتاب

«تجديد ذكرى عميد الأدب العربي»كان طه حسين أول من ألقى بحجر ثقيل للغاية في المياه الراكدة للفكر العربي الحديث، بعيداً عن قضية الشعر الجاهلي، أو بعض الأسطر التي اقتطعت من سياقها وتم التمسك بها من جانب تيارات التشدد والجمود والفكر المحافظ، وإشهارها في وجه عميد الأدبي العربي بهدف إدانته. لقد كشف برؤاه الفكرية الشجاعة عن وجود تيارات لا تقبل النقد أو إعمال العقل في تراثنا ومروياتنا، وترفض بشكل حاد وعنيف أي اختلاف في الرأي.

تعرض طه حسين لأكبر محاولة في تاريخنا الثقافي الحديث لإسكات مثقف كبير وابتزازه وإرهابه، من خلال تأليب الرأي العام عليه، والادعاء بأن نقده للتراث هو بمثابة تطاول على المقدسات، وهي اتهامات عارية عن الصحة وكاذبة شكلاً ومضموناً، فما قدمه صاحب «الأيام» للثقافة العربية من مؤلفات تراثية حققها وعلّق عليها وشرحها لم يقدمه أي باحث أو مثقف آخر ينتمي للتيار المحافظ. وعلى سبيل المثال، كان طه حسين أول من قدم شرحاً وافياً عصرياً، واكتشافات مدهشة، لجماليات شعر ما قبل الإسلام، ثم الشعر في العصر العباسي، عبر الدخول إلى غاباته الكثيفة وتذليل معانيه وتقريبها إلى القارئ العام، كما في كتبه مثل: «حديث الأربعاء»، و«صوت أبي العلاء»، و«مع المتنبي»، و«من حديث الشعر والنثر».

لقد ساهم طه حسين في اكتشاف مناطق مجهولة أدبية وفكرية من تراثنا وتقديمها إلينا، إما تحقيقاً ودراسة وإما تنويهاً وكتابة، وإما بإيفاد البعثات للكشف عن تلك المخطوطات.

 

مقتطف من كتاب «الأيام» لطه حسين

> «وقد أخذ الفتى يتهيَّأ لإتقان الفرنسية من جهة، وتعلُّم اللاتينية من جهةٍ أخرى، فالتمس لنفسه معلماً خاصّاً يُعينه من ذلك على ما كان يريد. وقد جعل رفاقه يبحثون له عن المعلم الذي يلائمه حتى قيل لهم: إن صاحبكم مكفوف، وليس له بدٌّ من أن يتعلم كتابة المكفوفين وقراءتهم، ليستطيع أن يعتمد على نفسه في تحصيل ما يريد أن يحصِّل من العلم. ثم قيل لهم: إن في تلك المدرسة من مدارس المكفوفين أستاذاً ضريراً قد يعين صاحبكم على حاجته، فسعَوْا إلى هذا الأستاذ، وقدَّموا إليه صاحبهم. وأعلن الأستاذ إليهم أنه زعيم بأن يعلِّم رفيقهم الكتابة والقراءة الفرنسية واللاتينية جميعاً، ولم يطلب على هذا إلا أجراً ضئيلاً في نفسه، ولكنه كان ثقيلاً على هذيْن الأخوين اللذين كانا يعيشان بمرتب شخص واحد. وقد قَبِل الفتى مع ذلك أن يشق على نفسه وعلى أخيه، وأن يؤدي إلى الأستاذ أجره الذي طلبه، وكتب إلى الجامعة يستعينها فلم تبخل عليه بالعون، وقامت عنه بأداء هذا الأجر. وأقبل الفتى على الكتابة البارزة يتعلمها، فلم يلبث أن أحسنها، ولكنه عندما حاول أن ينتفع بها في درسه لم يجد إلى الانتفاع بها سبيلاً؛ فلم تكن الكتب التي كان يحتاج إلى قراءتها قد طبعت على هذه الطريقة الخاصة، وكان ربما أتيح له الكتاب المطبوع على هذه الطريقة، فلا يكاد يأخذ في قراءته حتى يضيق بهذه القراءة أشد الضيق، وينفر منها أعظم النفور، فهو قد تعود أن يأخذ العلم بأذنيه لا بأصبعه».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».