إدغار موران: نجوم السينما هم أساطير هذا العصر

أخبارهم تغزو كل وسائل الإعلام وتأثيرهم لا حدود له

غلاف «نجوم السينما»
غلاف «نجوم السينما»
TT

إدغار موران: نجوم السينما هم أساطير هذا العصر

غلاف «نجوم السينما»
غلاف «نجوم السينما»

هم نجوم السينما، إنهم حقل إبداعي تخيلي يهمون الفلسفة على أكثر من صعيد. فهم يملكون القدرة على حمل الإنسان على التفكير والاندهاش. ويهبوننا بفضل خلقهم وابتكارهم، صورا جديدة للحياة، وفرصة تجديد فهمنا لذاتنا وللعالم من حولنا. إنهم يخترقون حياتنا ويصوغون تفكيرنا، بوعي أو من دون وعي منا. أخبارهم تغزو كل وسائل الإعلام، وتأثيرهم لا حدود له. لكن الفيلسوف لن ينظر إليهم نظرة الإنسان العادي. بل سينظر إليهم بشقاء الفلسفة، شقاء يهدف إلى إحراج هؤلاء النجوم، ما دامت الفلسفة تهتم بالفكر وليس بالترفيه. وهذا ما تبين من خلال فحص التمثيل المجازي الأفلاطوني، الذي يلزمنا بالخروج من الكهف مهما كان الثمن. إن الفيلسوف وهو يشاهد نجما سينمائيا، لا يراه كإنسان عادي. فليس لديه المرجع نفسه، وليس له الاهتمام نفسه، ولا المعنى نفسه. لكن في داخله يكمن الإنسان العادي الذي يضحك ببلاهة على منظر مسل. وهو ما يمكن استنتاجه من خلال فيلسوف عشق سحر السينما، وتأمل في قضاياها وإشكالاتها. إنه الفيلسوف الفرنسي، إدغار موران الذي نرافقه من خلال العمل الذي قام به في كتابه نجوم السينما. وهو من ترجمة إبراهيم العريس، مراجعة هدى نعمة، وإصدار المنظمة العربية للترجمة. وفيه ننفذ معه إلى عالم النجوم الخفي، محاولين البحث في الكهف الذي يرسمون فيه صورهم، ويمارسون علينا ديكتاتوريتهم، ويلفوننا بوهمهم.
لم يعد نجوم السينما في نظر موران، مجرد أشخاص عاديين، يضعون القناع الذي يؤدون به الدور الذي يلعبونه، ثم يرمونه ليمضوا إلى حياتهم العادية، وليخلفوا وراءهم ذكرى، هي عبارة عن مشهد، يتذكره المتلقي من حين لآخر، كما كان سائدا في المسرح القديم. بل إن هؤلاء النجوم قد أصبحوا بمثابة أنصاف آلهة، أي نجوما. مخلوقات تدفعنا إلى الحلم عن طريق الاستعراض السينمائي كأساطير حديثة. فهم كائنات تنتسب إلى البشري والإلهي في آن، وتشبه بعض سماتها أبطال الأساطير أو آلهة الأولمب. فقد بنوا لأنفسهم قصورا، وأحاطوها بأسوار بعيدين عن المدينة والضوضاء، كآلهة خالدة بعيدا عن عباد الله الفانين. ما يجعلهم يستثيرون فينا نوعا من العبادة، بل نوعا من الدين، في المساحة الكائنة بين الإيمان والترفيه، كظاهرة جمالية وسحرية ودينية.
النجم في نظر إدغار موران، كالسيد الذي يكرس له المؤمن نفسه. لكن عليه، هو أيضا، أن يكرس نفسه للمؤمن. بل أكثر من هذا، أن المؤمن دائما يريد أن يستهلك إلهه. وهذا ما يظهر في التعلق الشديد للمعجبين بنجمهم، وتتبعهم لدقائق الأمور المتعلقة به. فالمعجب يريد أن يلتهم نجمه، أن يعرف كل شيء عنه، فيحلله ويركبه، ويلتقط كل أخباره، في عملية التهام نهمة. كل معلومة تهمس سرا صغيرا تسمح للقارئ بأن يمتلك جزءا من حميمية النجم. أما الصدى الصحافي، فيستجيب لحاجة إلى المعرفة التقديسية، وزنه، طبقه، لباسه الداخلي، صوره حيث نتمثله ونعبده، توقيعاته. الصورة والتوقيع هما الطوطمان الرئيسان. وكما هو حال الشعوب القديمة، اتجاه الآلهة التي لا تستجيب لتمنياتها، نلاحظ أن المعجبين يصبون لعناتهم واتهاماتهم على النجوم الذين لم يقوموا بواجب الرد أو إسداء النصيحة أو إبداء العزاء. وتتضح هذه العبادة بشكل ملموس، في بعض لحظات الهستيريا الجماعية، كموت فالنتينو أو جيمس دين، أو وصول لولو بريجيدا إلى كان، أو صوفيا لورين إلى باريس. وهي كلها ليست سوى صور لعملية التماهي. بمعنى أن المتفرج يعيش نفسيا، حياة أبطال الفيلم الوهمية، المكثفة، القيمية، والغرامية. بمعنى أنه يتماهى معهم، لينسج أحلامه بواسطتهم. إلا أن هذه الأحلام تتجابه مع الواقع، وتصطدم به. لأن المتفرج لما يعود إلى عالمه، يشعر أنه صغير جدا ووحيد جدا، بينما يرى النجم كبيرا جدا. فإما يحس بوضاعته وينسحب، وإما يستمر في عبادة توقيعات النجم وأشيائه، ليعيش صوفيا في عالم النجوم. لهذا من الطبيعي جدا أن يكون تلميذ في الخامسة عشرة من عمره، قد كتب ما معناه معبودي هو إيرول فلين، ولقد وقعت في غرامه بعنف بعد فيلم دورية عند الفجر. إنني أفكر به في الليل، وأتخيل نفسي معه، وأحلم به. والحقيقة أنه لم يسبق لي أن انتابني مثل هذا الشعور اتجاه ممثلة.
إذا كان كل هذا يحتاج إلى تفسير، فإدغار موران يفسر ذلك ببؤس الحاجة، الحياة الكئيبة، وحياة الشاشة الوهمية هي نتاج هذه الحقيقة، وما النجم سوى عملية إسقاط هذه الحاجة. فقد عمد الإنسان باستمرار، إلى إسقاط رغباته ومخاوفه على الصور. وإلى إسقاط حاجته وتجاوز نفسه في الحياة والموت على صورته الخاصة. فيبدع له قرينا يمتلك في نظره قوى سحرية هائلة. ثم يعود موران لكي يصف كل هذا بالبلاهة. وهي بلاهة تغوص في عمق الإنسان. ففي خلفية نظام النجوم، ليس هناك فقط حماقة المعجبين، وافتقار السينمائيين إلى حس الابتكار، ومؤامرات المنتجين التجارية. هناك أيضا، فؤاد العالم. هناك الحب. تلك البلاهة الأخرى، تلك الإنسانية العميقة الأخرى.
عندما ينتهي موران من تحليل أسطورية النجم، فإنه يعود ليبحث في شروط تكون هذا الإله، والطريقة التي يصنع بها. لأن نجوم السينما في نظره، مصنوعون من طرف نظام يهيئهم ويعدهم، ويكيفهم، ويقترحهم. فالنجم ليس ممثلا يمارس السينما، إنه بالتأكيد شيء آخر. النجم صناعة، يمكن صنعه. وليس هو ممثل المسرح الذي يصعب تعويضه، وتتعسر صناعته. فالطابع المسرحي للممثل، جرى انتزاعه بالموازاة مع تطور تقنيات السينما، التي تتميز بالقدرة الكبيرة على التحرك والمبالغة. اللقطة القريبة، اللقطة الأميركية، اللقطة الكبيرة، جعلت الممثل السينمائي غير مطالب بالتمارين والتدريبات الشاقة المضنية، ما دام يدار باستمرار، في لقطات مشتتة ومجزأة يؤديها. إنه يتبع فقط العلامات التي يرسمها المصور بالطبشور. بل حتى الأحاسيس المعقدة يتم صنعها أوتوماتيكيا. فالديكور والأدوات، تلعب دورا أكبر من الممثل. يوازيه الإسقاط والتماهي والمشاركة العاطفية. ويأتي وضع المتفرج، استرخاء جماليا، ظلمة، حالة تشبه حالة التنويم المغناطيسي، ليساعد على ذلك بدوره، فالمسدس، الكرسي، المنديل، الشجرة، السيارة، تبدو كأشياء تتحدث إلينا. بل تستحوذ على الحياة. إنها تتحدث إلينا. هذا من دون نسيان عمليات المونتاج، والدور الكبير الذي تقوم به، إلى خدع التصوير، زوايا التصوير، سرعة الكاميرا في حركيتها، لعبة الإضاءة.
في ظل كل هذه المحددات، لا يبقى للنجم أي وجود، لأنه يجري صنعه صنعا. يمكن أن يتم تركيبه في أي جزء من أجزائه، بل حتى في أدق تفاصيله. ويمكن حتى استبداله، أو استبدال جزء وتركيبه له. يمكن استبدال صوته بصوت أكثر فعالية، حيث يقول لسلي هوارد: بالإمكان الاستغناء عن الممثلين وإحلال أي شيء مكانهم. ففي السينما، يمثل الأطفال من دون معرفة دورهم. بل نجد حتى بعض الحيوانات، كالكلب زانتانتان، والحصان طرزان، والقردة شيتا، تؤدي دورها بأسلوب طبيعي للغاية، على الرغم من أنها أدوار مؤنسنة، أي اصطناعية للغاية. بل حتى دمى الترنكا، شخصيات ميكي، ودونالد إنجازات والت ديزني، هي حية كالنجوم. بل وقد تفوقهم حياة. ويأتي بعد ذلك، التوليف، والمونتاج الذي يقوم كليا على أواليات الإسقاط والتماهي لدى المتفرج. المونتاج يفترض تلك الإواليات ويلجأ إليها، في الوقت عينه الذي يعجل من وتيرتها، ويضخم من حجمها. ثم تأتي صنائع التبرج كامتداد لصنائع التصوير، لتحول الملامح، في وجه من الوجوه، تبعا للتعبير الذي تتطلبه كل لقطة، حتى يصبح الوجه وكأنه من صنع الفنان. حيث نقول بأن هذه الصورة صنيعة عامل الماكياج، ومصفف الشعر، وصنيعة المصور الذي وفر له ضوءا مأساويا، وصنيعة رجل المونتاج الذي أدام تلك الصورة لفترة تحتملها الضرورة، وأخيرا صنيعة المخرج.
خلاصة الأمر هي أن النجم في نظر إدغار موران، منتج خاص من منتجات الحضارة الرأسمالية، يستجيب في الوقت عينه لحاجات أنثربولوجية عميقة، تعبر عن ذاتها على صعيد الأسطورة والدين، الإله النجم، والنجم السلعة، هما وجهان للواقع ذاته: حاجات الإنسان على مستوى حضارة القرن العشرين الرأسمالية.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي



تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».