إدغار موران... من «الإنفلونزا الإسبانية» وصولاً إلى «كورونا»

الفيلسوف الفرنسي يصدر في عيده المائة كتابه «فلنغيّر الطريق»

إدغار موران
إدغار موران
TT

إدغار موران... من «الإنفلونزا الإسبانية» وصولاً إلى «كورونا»

إدغار موران
إدغار موران

من الإنفلونزا الإسبانية وصولاً إلى «كورونا»، تسعة وتسعون عاماً، عاشها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الكبير إدغار موران. لم تكن سنوات سهلة، لكنها صنعت منه شاهداً استثنائياً على عصر، ليس ككل العصور، وأخرجت منه كائناً مفكراً سطع نجم أفكاره الخارجة من رحم نضال فكري وحياتي.
في كتابه «فلنغيّر الطريق» الذي سطره تحت وطأة الوباء الجديد أو ما أسماه «دروس كورونا»، وهو يقارب الاحتفال ببلوغه المائة، يستعيد موران شريط حياته الشخصي، من خلال رؤيته لمسار البشرية منذ الحرب العالمية الأولى وما تركته من ويلات، وما بين الحربين الكبيرتين من فوضي واضطراب ومن ثم فظائع الحرب الثانية، وما تبعها من تيارات وإعادة نظر في تركيب العالم، ومن ثم النهوض، والازدهار، المفخخ ببذور الفشل والانهيار، وصولاً إلى اللحظة المزلزلة التي نعيشها اليوم.
فاجأ الوباء الجديد موران، لكنه كما يقول لم يباغت تفكيره الذي تعود المحن. فهو «طفل كل الأزمات»، وحكيم يعرف كيف «يتوقع غير المتوقع». موران يكتب كمن يوصينا بالعودة عن الضلال؛ لأنه يخشى من الانحدار، وقلق من اندلاع البربرية واحتمال حدوث كوارث تاريخية، يرى نذرها ماثلة أمامه. لهذا «أريد أن أوقظ الوعي، وأكرّس طاقاتي الأخيرة لهذا الكتاب».
ولد ادغار موران مختنقاً بحبله السري، ونجا كأنه استفاق من الموت. ولا يزال إلى اليوم يشعر بنوبات اختناق وضيف تنفس. والدته توفيت وهو صغير ضحية الإنفلونزا الإسبانية. غفت ولم تستيقظ في محطة قطارات «سان لازار» الباريسية.
في عمر العاشرة أصبح يتيماً يعيش مع والده الذي يعاني من موجة الكساد الاقتصادي الكبير، وقد أخذت تجتاح العالم. «بين عامي 1921 - 1931 انقلبت حياتي رأساً على عقب، بسبب الإنفلونزا الإسبانية. منذ عام 1931 بدأ يتشكل ذهني من خلال المعاناة، وتحت وطأة الصدمات المتتالية الناجمة عن آثار معاهدة فرساي، التي وضعت حداً للحرب العالمية الأولى، وزرع بذور الثانية، وتأجيج الأزمات. مما تسبب في دمار سياسي واجتماعي».
لا يرى موران فصلاً بين الخاص والعام، فتلك الأحداث كانت من الأهمية بحيث إنها دخلت كل بيت، ومسّت كل عائلة. «كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما دخلت السياسة في رأسي». هتلر أصبح مستشاراً لألمانيا، فضائح فساد عارمة، تحالف الشيوعيين والاشتراكيين ضد الفاشية، مواجهات بين اليمين واليسار. دخلت الانقسامات حتى الصفوف المدرسية، وبدا العالم سائراً بقوة صوب الحرب.
«أصبح كل شيء موضع تساؤل»، يقول موران «كل شيء تحول إلى مشكلة: الديمقراطية، الرأسمالية، الفاشية، مناهضة الفاشية، الشيوعية الستالينية، مناهضة الشيوعية الستالينية (التروتسكية)، الإصلاح، الثورة، القومية، الأممية، الطريق الثالثة، الحرب والسلام، الخطأ، الصواب».
الحرب الثانية جاءت نتيجة حدوث كل ما لم يكن متوقعاً. «لقد غيرتني الحرب»، يقول «كانت مقاوماً معادياً للنازية، ولم أكن أبداً معادياً لألمانيا... بينما كنت شيوعياً كنت أيضاً ناشطاً في حركة المقاومة الديجولية، وبينما كنت مرتبطاً بالحبل السري للحزب، بقيت مستقلاً». الحماسة للشيوعية انطفأت بعد حين. «انجرف ذهني تحت المسار العنيف للأحداث، واستخلصت الدرس في كتابي (النقد الذاتي) لأستعيد روحي الناقدة ويقظتي الداخلية». كل ما يعنيه اليوم من تلك الفترة هي روح المقاومة لديه، التي أدرك سريعاً أن لها وجوهاً كثيرة عليه أن يختار بينها.
انحاز إلى جانب مطلب الجزائريين في الاستقلال، ثم كان من المتحمسين لثورة الطلاب في مايو (أيار) 68. وبدأ وعيه البيئي باكراً منذ مطلع السبعينات وهو يطلع على تقرير «ميدوز» الذي جعل منه أحد رواد السياسة البيئية، يوم لم يكن هذا الموضوع يعني كثيرين. فهم أن الأمر لا يقتصر على حماية الطبيعية من حجر وشجر، وإنما أيضاً حفظ الإنسان. لكنه يستغرب في الوقت نفسه «البطء الشديد في الوعي البيئي، وعدم اكتماله بعد خمسين عاماً رغم وصول البشرية إلى حافة الكارثة».
منذ ثمانينات القرن الماضي وموران يقاوم ضد بربريتين تهددان الإنسانية: البربرية القديمة الآتية من أعماق عصور الهيمنة والاستعباد والكراهية والازدراء للآخر، وما رافقها من عنصرية في الحروب في الشرق الأوسط وأفريقيا. وبربرية ثانية هي حسابات الربح والجشع التي باتت تتحكم في العالم.
وفي النصف الثاني من الكتاب الذي خصصه للفترة الراهنة يتحدث عن الأزمة العملاقة الناتجة عن الوباء، ويعتبر أنها تكشف غور أزمة النموذج الغربي أو نموذج الحداثة، الذي ولد بجميع فروعه التنظيمية، في القرن السادس عشر. وها نحن بعد أربعة قرون، نعيش مخاض ولادة نموذج جديد وتفكك القديم، في ظل الألم والفوضى، دون جهوزية كافية.
ومن مفاعيل «كورونا» ودروسها، انهيار الأسطورة الغربية عن الإنسان «سيد الطبيعة ومالكها». وانتهاء القناعة بأن التقدم التكنولوجي والاقتصادي وحدهما يحققان الغايات الإنسانية. وقد تيقن البشر من أن المنافسة الحرة والنمو الاقتصادي ليسا الشرطين الرئيسيين للرفاهية الاجتماعية. ومن النتائج المفيدة زعزعة اليقينيات والعودة إلى الشك، والتفكير بأن الحياة مغامرة غير مؤكدة. أوليس ما يحدث يدفع إلى التساؤل حول جدوى الاستهلاك، ونحن نشاهد الحركات التضامنية التي عمّت العالم مع بروز الوباء، وهو ما كان عزيزاً قبله. لقد تكشفت أوضاع مأساوية في مجتمعات متحضرة. أشخاص وحيدون، أرامل، نساء مهجورات، كبار في السن متروكون، شباب معدمون، موظفون فقدوا أعمالهم، عاملون في المجال الصحي تركوا يجابهون الموت وحدهم. الوباء أثبت أكثر من أي وقت، فشل المجتمع الفرنسي، ومجتمعات غربية أخرى، مقارنة بمجتمعات آسيوية، في الشرق الأقصى مثل فيتنام وكوريا الجنوبية أو حتى شمال أفريقيا، بدت أكثر فاعلية وتكاتفاً، وتعاضداً.
ولا يفهم موران لماذا، يزدري الطب الغربي العلاجات الآسيوية مثلاً، بدلاً من أن يستفيد منها، كالوصفات الأفريقية التي استخدمت بنجاح ضد الملاريا، أو تلك التي تستخدم في مدغشقر، واعترفت بها منظمة الصحة العالمية.
إنه «ثقب أسود هائل» في الذهن الغربي، ينمّ عن خلل في أسلوب المعرفة. «فقد تمت تجزئة كل القضايا، بينما هي مجموعة عناصر، تتكامل مع بعضها بعضاً». إذ يعود موران في هذا الكتاب إلى فلسفة التعقيد والتركيب التي عرف بها. ويعيب على الغرب، تقسيمه المعارف وتشتيتها بدلاً من ربطها، وتقييده لنفسه بحتميات بينما الحياة قائمة باستمرار على حدوث غير المتوقع. ثمة اطمئنان مبالغ فيه، إلى المعرفة الحسابية، رغم أن حقائق بشرية مثل الحزن والفرح، والألم، السعادة، الكراهية، لا تخضع للدراسات الاستقصائية البيانية، كما يحتسب الناتج المحلي.
تسبب هذا التشخيص الغربي الحسابي، والتعطش المحموم للربح، إلى كوارث بشرية، تصاعدت منذ بدء الوباء ولا تزال تتعاظم.
ويخصص الكتاب صفحات للسياسة النيوليبرالية التي هيمنت على معظم دول العالم ويحملها آثام الإخفاقات المتتابعة. حيث طرحت المنافسة الحرة، كحل لكل المشكلات الاجتماعية، فيما هي الطريق الأقصر لجعل التفاوت الطبقي رهيباً وظالماً، خاصة في ظروف خاصة كالوباء. كذلك كشفت «كورونا» عن مخاطر الاعتماد الكامل على المنتجات الأجنبية، من أدوية ومعدات صحية وغيرها، وترك المجتمعات الغربية عارية من احتياجاتها الأولية، حين تكون في أمس الحاجة إليها. وهو ما يطرح السؤال حول ضرورة تنظيم العولمة، لا سيما في موضوعي الصحة والغذاء، وحتى العلاقات الإنسانية والصحة النفسية، وغيرها.
ثمة فصل يحمل اسم «طريق التغيير»، يرى من خلاله أن الثورة ليست السبيل الأنجع لإرساء نظام جديد؛ لأن الثورات غالباً ما تنتج اضطهاداً بدلاً من أن تولد تحرراً. الحل هو في بلورة مشروع اجتماعي ثابت وصلب، وفتح مسارات التحول التدريجي، من خلال المثابرة والإصرار.
ولموران «اقتراحات إرشادية» لإنقاذ المستقبل، من بينها «إضفاء الطابع الإنساني على المجتمع»، وإعادة إحياء السياسات الوطنية المبنية على قيم العدالة. ومن غير الوارد إيقاف قطار العولمة، لكن من الضروري عدم حصر أغراضها بالطابعين التقني الاقتصادي السائدين، دون تنمية الروابط والتعاون بين أهل الأرض.
الكتاب الصغير لموران، يرسم رؤية بانورامية شاملة لما يمكن أن تكون عليه طريق الغد، تشمل معالجته كل جانب، بما فيها الزراعة، المياه، الصناعة، السياسة، الاقتصاد، المناخ، الصحة، التعليم. وهي رؤية تعول على التكامل والتناغم والانسجام. ترى في العولمة فرصة، لابتكار إنسانية جديدة أكثر رفاهية وأقل هدراً. فالمطلوب فعلياً اليوم هو التخلي ولو جزئياً عن «اقتصاد العبث والخداع»، وخفض إنتاج المواد الغذائية المصنعة والتقليل من المنتوجات غير القابلة للتدوير، والحد من حركة السيارات. والتوقف عن التلويث وتسميم الطبيعة، والسعي من أجل حياة خضراء، بدلاً من تبرير كل الخراب الذي يرتكب باسم المكننة التي يراد لها أن تطبق على دون رحمة على الإنسان كأنه مجرد آلة.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.