وليم طعمة
محلل مالي معتمد والرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
TT

البقاء بأمان والثورة التنظيمية الثانية

خلال الأشهر الستة الماضية، تحوّلت عبارة «ابق بأمان» إلى أكثر من مجرد شعار، فقد تم استعمال هذه العبارة من قبل الحكومات بهدف الإشارة إلى سبب الحاجة إلى فرض قيود على الحياة اليومية، ونحن نقرؤها على اللافتات في الشوارع وعلى أبواب المتاجر، كما نكتبها في خاتمة رسائلنا الإلكترونية إلى أصدقائنا وزملائنا.
ومع ذلك، فإن هذه العبارة ليست مجرد تعبير دارج.
لقد أصبح «البقاء بأمان» ضرورة ملحة، وقد انتشر هذا المفهوم انتشاراً واسعاً في المجتمع حتى أصبح يُغيِّر طريقتنا في النظر إلى العالم من حولنا، وطريقة تفكيرنا في المخاطر المحتملة في الأسواق المالية.
كانت آخر مرة شهدنا فيها أحداثاً مماثلة منذ عقد من الزمان، حين أطلت علينا الأزمة المالية العالمية لتُبشر بسلسلة من الإصلاحات التي سعت إلى تعويض إخفاقات عصر من الرأسمالية القائمة على الحرية الاقتصادية، والدور الإشرافي المحدود للحكومة. فقبل انهيار بنك «ليمان براذرز»، كنا ننظر إلى الأنظمة والقوانين في كثير من الأحيان كعقبة نحتاج إلى التغلب عليها، بدلاً من اعتبارها منظومة ينبغي العمل في إطارها.
وكانت لمنطقة الخليج خصوصياتها المالية التي كانت على وشك الانهيار بفعل اللوائح التنظيمية المتصاعدة، ومن ذلك ممارسة «الإقراض الاسمي»، حيث كانت السمعة وحدها كافية في كثير من الأحيان لتأمين خطوط ائتمان ضخمة لمشاريع لم تكن في بعض الأحيان أكثر من مجرد أفكار.
لكن، وبدلاً من أن تُشكِّل التغييرات التنظيمية التي وُضعت في السنوات التي تلت الأزمة عائقاً أمام تنمية الأسواق المالية في المنطقة، كان لها أثرٌ معاكسٌ تماماً، حيث تم رفع تصنيف البورصات من المملكة العربية السعودية إلى الإمارات العربية المتحدة من قِبل الجهات المزودة للمؤشرات، مما مكّن تلك البورصات من جذب مليارات الدولارات من رؤوس الأموال الجديدة، وساعد في نقل الخليج من هوامش العالم الاستثماري إلى منطقة أقرب إلى التيار الرئيسي المهيمن عليه.
وما كان هذا التقدم خلال تلك الفترة القصيرة ليتحقق لولا عوامل الدعم التمكينية التي وفرتها أنظمة الأسواق المالية. وقد كانت بعض التحسينات على تلك الأنظمة غير ملحوظة أو مباشرة، ولم تكن ملزمة في حد ذاتها، ولكنها كانت في الوقت نفسه ملموسة الأثر، وأصبحت ممكنة التحقيق، نظراً للتوجّه الجديد القائم على المهنية، الذي عمل على تغيير الطريقة التي تفاعلت بها الشركات مع المستثمرين والمعلومات التي أفصحت عنها.
لقد تسببت جائحة فيروس «كورونا» مرة أخرى في إثارة موجة جديدة من إعادة النظر في الجوانب التنظيمية عبر الأسواق العالمية وفي منطقة الخليج، حيث يمكن القول بأن المخاطر اليوم تبدو أكبر مما كانت عليه وقت الأزمة المالية العالمية. فهذه المرة، يعمل المجتمع الاستثماري بنفسه على الدفع نحو هذا التوجه تماماً كما تفعل الجهات التنظيمية.
ويُظهر استطلاعنا الأخير بشأن أزمة فيروس كورونا أن غالبية العاملين في مجال الاستثمار بالإمارات العربية المتحدة (78 %) يرون أن الجهات التنظيمية يجب أن تقوم بدور استباقي، وأن تأخذ بمشورة الشركات حول الحلول الممكنة لهذه الأزمة. كما يرى أكثر من نصفهم (64 %) أن الجهات التنظيمية وصُنَّاع السياسات يجب أن يعملوا على تصميم أطر جديدة للمساعدة في إعادة أنشطة السوق الاعتيادية في أسرع وقت ممكن.
وفي ظل توافق غالبية المجتمع الاستثماري حالياً، أصبح هذا القطاع عموماً يتبنى عقلية أفضل مما كانت عليه الحال منذ عقد من الزمان، حين كانت القوى المحركة تعتمد غالباً على مواجهة الجهات التنظيمية بدلاً من التعاون معها. وهكذا، سيتمثَّل التحدي الذي تواجهه الجهات التنظيمية في الحفاظ على مواكبتها للقطاعات المدفوعة بالتكنولوجيا على نحوٍ متزايد، التي تُشرف عليها تلك الجهات.
فقد شهدت تلك القطاعات تطورات عدة، بدءاً من النمو المتسارع للعملات الرقمية، وحتى اعتماد تقنيات الذكاء الصناعي في مجال الخدمات المصرفية والتجارة، مما يعني أن إحدى أكبر المشكلات التي ستواجهها الجهات التنظيمية قد تتمثل ببساطة في توفير نطاقٍ كافٍ لمواكبة جميع تلك التطوّرات. وينطبق ذلك بشكل خاص على دول الخليج التي تستهدف بقوة قطاع التكنولوجيا المالية.
في الماضي، كانت السلطات التنظيمية الخاصة مثل سوق أبوظبي العالمية تقوم بدور فعَّال وملحوظ في وضع أُطر تنظيمية قوية مدعومة بالإنفاذ القانوني، كما كان لها دور أساسي في تغيير التصوّر المنتشر عن الأسواق المالية الخليجية. وقد يتطلب المستقبل حلاً مبتكراً كهذا على مستوى المنطقة ككل لمنع المراجحة التنظيمية، وضمان الحفاظ على الزخم الإيجابي في ظل هذا القدر الكبير من التقلُّبات في مختلف القطاعات من قطاع الطاقة، وحتى قطاع العقارات.
وتعمل أوروبا حالياً على تنفيذ عدد من الإصلاحات في القطاع المالي من أجل تسهيل دعم أسواق رأس المال لانتعاش الأعمال. ومن هذه الإصلاحات، الجهود الرامية إلى إعداد نشرات إصدار قصيرة وسهلة القراءة تهدف إلى تمكين الشركات من جمع المزيد من الأموال عن طريق طرح الأسهم للاكتتاب بدلاً من الديون.
وعلى دول الخليج أيضاً أن تبرهن، كما فعلت قبل عقد من الزمان، أنها قادرة على الاستجابة بسرعة للتبِعات الجديدة للجائحة، التي لا تزال تتكشف في الأسواق المالية.
وإذا كان هناك درس واحد مهم استفادته الحكومات من هذه الأزمة، فإنه يتمثل في أن اتخاذ الإجراءات السريعة والحاسمة كان سبباً في منح الناس فرصة أفضل للبقاء بأمان، والأمر نفسه ينطبق على المستثمرين كذلك.
* الرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا