نجحت المملكة العربية السعودية في أواخر العام الماضي، في تحقيق إنجاز مهم من خطة الإصلاح ضمن «رؤية المملكة 2030» والتي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي والتخلي تدريجياً عن الاعتماد على قاعدة الإيرادات النفطية.
واستكملت المملكة انضمامها إلى مؤشرات «جي بي مورغان» لسندات الأسواق الناشئة، وذلك حسب آخر إعلان ضمن سلسلة من الإعلانات الصادرة عن المؤشرات العالمية الرئيسية، ومن بينها مؤشرات «إم إس سي آي» و«إس آند بي» و«فوتسي راسل»، والتي تؤكد استيفاء المملكة لمتطلبات الإدراج.
يعد هذا الإنجاز خير شاهد على الجهود التي بذلتها هيئة السوق المالية السعودية، والسوق المالية السعودية (تداول)، في سبيل تحديث البنية التحتية للأسواق المالية في المملكة لتجعلها أكثر ملاءمة للمستثمرين.
يتيح إدراج المملكة ضمن مجموعة الأسواق الناشئة دخولها إلى صناديق المؤشرات المتداولة (ETF)، الذي يتيح بدوره تدفق المليارات من الاستثمارات الخارجية إلى المملكة.
فإذا علمنا أن قيمة الأصول المدارة لمؤشر «جي بي مورغان» لسندات الأسواق الناشئة تبلغ 1.9 تريليون دولار أميركي، 80% منها نشطة و20% منها سلبية، فهذا يعني أن الوزن النسبي للأسهم السعودية في المؤشر تُقدر قيمته بنحو 2.8%، أي ما يمثل دخول تدفقات نقدية أجنبية إضافية بمقدار 53 مليار دولار.
المشهد في عام 2020
رغم أن آثار تفشي فيروس «كورونا»، لم تتضح بشكل كامل حتى الآن، فإنه من الممكن القول إنه لم يعد مشكلة قصيرة الأجل. وهذا ما جعل المملكة العربية السعودية تصبّ جلّ اهتمامها على دعم المواطنين والمقيمين والشركات.
وقد أعلن العاهل السعودي الملك سلمان، أن الحكومة ستمنح خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، ما نسبته 60%، من قيمة الرواتب للموظفين الذين لم يستلموا رواتبهم الكاملة بسبب الصعوبات المالية التي يواجهها أصحاب الأعمال. وتأتي هذه المنحة كجزء من حزم التحفيز البالغة قيمتها تسعة مليارات ريال (2.4 مليار دولار).
هذا وقد خصصت المملكة حزم تحفيز أخرى بقيمة 50 مليار ريال لمواجهة الأزمة الاقتصادية الناجمة عن مرض فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) للبنوك والمؤسسات المالية في جميع أنحاء المملكة لتتمكن من دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة. علاوة على ذلك، أوقفت المملكة العديد من مسارات الطيران وعلّقت الدخول إلى البلاد لأداء شعائر العمرة ودعت إلى التريث في إبرام عقود الحج حتى تتضح الرؤية، إذ يتوافد إلى البلاد نحو مليوني مسلم سنوياً لأداء فريضة الحج.
تطلعاً إلى عام 2020 وما يحمله للمملكة، فهناك عدة اعتبارات لا بد أن يأخذها المستثمرون بعين الاعتبار. أولها، بل أهمها، أسعار النفط وما يرافقها حالياً من تباطؤ في النمو والتوترات السياسية التي تسود المنطقة، بالإضافة إلى ظهور التقنيات المالية، والتي قد تحمل للمستثمرين منافع جمّة.
شهد عام 2019، تأرجح أسعار النفط بين 55 و75 دولاراً للبرميل الواحد، في ظل تباطؤ النمو العالمي والتوترات التجارية والمخاطر السياسية التي تشهدها المنطقة، في الوقت نفسه، أدت محاولات رفع الأسعار عبر الخفض الكبير في إنتاج النفط إلى زيادة التباطؤ، فضلاً عن ضعف الطلب الخارجي.
نتيجة لذلك، كان من المتوقع أن ينخفض نمو إجمالي الناتج المحلي السعودي من 2.4% في عام 2018 إلى 0.2% في عام 2019، وأن يتباطأ النمو في دول مجلس التعاون الخليجي ككل إلى 0.7% بعد أن كان 2% في عام 2018.
وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2019، ارتفعت وتيرة التقلبات الجيوسياسية حين استهدفت طائرة مسيّرة قطاع النفط في المملكة. وقد أشار تقرير حديث بعنوان «مستقبل الثروات» صادر عن شركة «يو بي إس» لإدارة الثروات، وتناول آراء المستثمرين من جميع أنحاء العالم، أن 83% من المستثمرين في دولة الإمارات العربية المتحدة، إحدى الدول الأعضاء الست في مجلس التعاون الخليجي، يعتقدون أن العوامل الجيوسياسية لها تأثير أكبر على الأسواق من أساسيات الأعمال.
ورغم ما يسود العالم من تحديات جيوسياسية، لا يزال المستثمرون في دولة الإمارات هم الأكثر تفاؤلاً فيما يتعلق بعوائد الاستثمار في العقد القادم، وقد بلغت نسبة هؤلاء المستثمرين 85% في دولة الإمارات، مقارنةً بنسبة 69% في الولايات المتحدة و65% في آسيا و72% في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.
التقنيات المالية
يمثل بروز قطاع التقنيات نقطة مضيئة بالنسبة إلى المستثمرين في منطقة الخليج وهم على مشارف دخول عام 2020، حيث تتجه مجموعات الشركات العالمية نحو تقديم خدماتها لسكان المنطقة من الشباب المولعين بالتكنولوجيا، ومن بينها شركة «أمازون» التي اختارت البحرين لإطلاق أول مركز بيانات لها في المنطقة.
ويعد تطوير منظومة التقنيات المالية من العناصر المهمة في استراتيجية التنويع الاقتصادي ضمن «رؤية المملكة لعام 2030»، إذ يُنظر إليها على أنها من الأمور الأساسية لتوسيع قاعدة الاستثمارات في البلاد ونقلة نوعية نحو الاقتصاد الرقمي غير النقدي. وفي سبيل ذلك، أطلقت مؤسسة النقد العربي السعودي مبادرة «فنتك السعودية» في أبريل (نيسان) من عام 2018 في سبيل تحفيز تنمية وتطوير القطاع.
وقد أثبتت جميع دول مجلس التعاون الخليجي ريادتها في مجال الابتكار في عالم الأصول الرقمية. ففي وقت سابق من العام الماضي، اعتمدت سوق أبوظبي للأوراق المالية منصة لتداول العملات الرقمية، واستثمر صندوق الثروات السيادية للدولة في هذا المشروع.
تعمل المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج بأكملها على الانضمام إلى الأسواق الناشئة والاستفادة منها بعدة طرق. وتتميز المملكة بإرثها العريق، حيث تضم عدداً من أقدم الآثار في تاريخ الإنسانية، كما تشهد البنية التحتية المجتمعية والتجارية بها تحولات سريعة. وإذا نظرنا إلى الوضع في المملكة والمنطقة بأسرها الآن، بدايةً من الترحيب برؤوس الأموال الأجنبية وصولاً إلى السعي الحثيث نحو تبني الأصول الرقمية والتقنيات المالية، سنجد أن المستقبل القريب يعِد بالكثير من الابتكار والنمو السريع والإبداع. ومع ذلك، إذا ما أردنا الحفاظ على سلامة المهنة على المدى الطويل، لا بد لنا من دعم الابتكار وطاقة التحول من خلال المعايير المهنية السليمة.
ندرك أن علينا القيام بدور مهم في تطوير الأسواق المالية في المنطقة عبر وضع تلك المعايير وتوفير خدمات التعليم والتوعية. وإذ تعد المملكة واحدة من بين أسرع الأسواق نمواً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا يسعنا سوى أن نشيد بالتزامها بتحقيق مزيد من الشفافية وإعطاء الأولوية لمصالح المستثمرين، كما نشجع المزيد من دول المنطقة على تعزيز مبادئ الإنصاف والشفافية والمبادئ الأخلاقية في مهنة لاستثمار.
* محلل مالي معتمد والرئيس الإقليمي لمعهد المحلّلين الماليين المعتمدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
