بهنام بن طالبلو
كاتب من خدمة «بلومبرغ»
TT

الحيرة الأوروبية والترسانة الإيرانية الخطيرة

أكدت إيران خلال الأسبوع الحالي أنها أجرت أخيراً تجربة لإطلاق صاروخ جديد، وهو الذي صنفته الولايات المتحدة الأميركية بأنه صاروخ باليستي متوسط المدى قادر على حمل الرؤوس الحربية المتعددة، فيما يعد انتهاكاً جديداً لقرار مجلس الأمن الدولي لعام 2015. ومما يؤسف له، أن هذا الخبر لم يكن كافياً؛ فلقد اعتادت إيران إجراء التجارب الصاروخية، ولكنها تحولت إلى عادة جديدة، ألا وهي نقل الصواريخ الباليستية عبر ربوع الشرق الأوسط.
كانت استجابة الولايات المتحدة صارمة بالعقوبات الاقتصادية قبل وبعد انسحابها الرسمي من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015. ورغم أن المسؤولين الأوروبيين قد أدانوا السلوكيات الإيرانية الاستفزازية - حتى في الأمم المتحدة - فإنهم لم يتخذوا حتى الآن أي إجراءات جادة لإقناع إيران بالعدول عن مواصلة التجارب الصاروخية. وبصرف النظر عما إذا كانت الجهود الأوروبية للمحافظة على الاتفاق النووي ناجحة من عدمه، فإنه ينبغي على الاتحاد الأوروبي الانضمام إلى الولايات المتحدة في جهود الحد من تهديدات الصواريخ الباليستية الإيرانية.
في الشهور الأولى من العام الحالي، وقبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، انتقل الدبلوماسيون الأميركيون في رحلات مكوكية عبر المحيط الأطلسي لمحاولة العثور على طريقة جيدة لتحسين الاتفاق النووي من خلال إدراج بند الصواريخ الباليستية جزءاً من اتفاقية سياسية أوسع نطاقاً. وفي خضم هذه العملية، كان شغل الاتحاد الأوروبي الشاغل هو المداولة بشأن العقوبات الاقتصادية المفروضة على الكيانات الداعمة لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية. ولم يتمخض شيء إيجابي ملموس عن هذه الجهود في خاتمة المطاف. وفي واقع الأمر، فإن نظرة متفحصة على سجلات الموقف الأوروبي تكشف أن الحزمة الأخيرة من العقوبات الاقتصادية الأوروبية ذات الصلة بالبرامج النووية والصاروخية الإيرانية كانت مفروضة قبل ست سنوات كاملة.
بيد أن ما تغير منذ عام 2012 وحتى الآن هو برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وبالإضافة إلى الاحتفاظ بأكبر ترسانة من هذه الصواريخ في المنطقة، يعمل النظام على تحسين بعض الأنظمة المختارة، إضافة إلى إيلاء مزيد من التركيز على الدقة. ويقول المسؤولون العسكريون الإيرانيون إنهم لا يرون أي عقبات تقنية على مسار بناء الصواريخ بعيدة المدى. كذلك، كانت طهران تنقل صواريخ أرض - أرض قصيرة المدى إلى لاعبين جدد في مسارح الحرب المشتعلة في المنطقة، مثل المتمردين الحوثيين في اليمن والميليشيات الشيعية في العراق.
ويبدو أن المنافذ الإعلامية الرسمية الإيرانية قد توقفت عن نشر كل الأخبار المتعلقة بالتجارب الصاروخية، على الأرجح لتفادي مطالبات التدقيق من الرأي العام الداخلي. وفي أعقاب التجربة الصاروخية التي أجريت الشهر الحالي، كانت الاستجابة الرسمية الإيرانية تتسم بالغموض، مع وعود بمواصلة إجراء التجارب الصاروخية مع توجيه الاتهامات والتهديدات للولايات المتحدة الأميركية كالمعتاد. وعندما أكد المسؤولون الإيرانيون إجراء التجربة الأخيرة، أكدوا قيامهم بها من دون ذكر نوع الصاروخ المستخدم في التجربة.
ولكي تضطر إيران إلى إعادة النظر في حساباتها المتعلقة باختبارات الصواريخ - فضلاً عن الحصول على التكنولوجيا ذات الصلة، وإنتاج، وتصدير الصواريخ إلى شتى بقاع المنطقة - ينبغي على أوروبا والولايات المتحدة صياغة جديدة من التعامل، الأمر الذي يستلزم انتقاء وجهة الجهود الجديدة الرامية إلى «إصلاح» الاتفاق النووي. وينبغي لذلك أن يتضمن ثلاثة مكونات على أقل تقدير.
أولاً، الالتزام الواضح والحازم بشأن منع إيران من الحصول على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات - التي يمكن أن يغطي مداها كل أرجاء القارة الأوروبية - سواء التي يجري تطويرها محلياً أو يتم الحصول عليها من الخارج. وبما أنها تملك بالفعل الصواريخ القادرة على ضرب حافة جنوب شرقي أوروبا، فمن شأن أي من هذه الصواريخ أن يهدد أنحاء القارة بأكملها. وللحيلولة دون ذلك، يتعين على الولايات المتحدة وأوروبا توحيد الجهود، ومزامنة الرسائل، وتنظيم وسائل الضغط على البرنامج الفضائي الإيراني، الذي من المحتمل أن يكون غطاء مدنياً لتطلعات النظام الإيراني بامتلاك الصواريخ طويلة المدى.
ثانياً، إنشاء فريق عمل متعدد الجنسيات لتبادل المعلومات الاستخبارية، وإحباط مشتريات التكنولوجيا الإيرانية، وتمويل الجهود الخاصة بالانتشار النووي. وتستحق الصواريخ الإيرانية القدر نفسه من الاهتمام والدبلوماسية الرفيعة المستوى على غرار القضية النووية. وعلى الرغم من قوة الصناعات الدفاعية الإيرانية ومحاولات الانتقال إلى الاكتفاء الذاتي، فإن النظام الإيراني مستمر في التسوق من الخارج، والدفع بالشركات الوهمية، واستغلال صلاحيات السلطة المركزية الضعيفة في تعزيز مخزون وقدرات برنامج الصواريخ الباليستية الوطني.
أخيراً، وربما الأكثر أهمية، هو الالتزام بالعقوبات التي تُفرض على نحو تلقائي رداً على مجموعة متنوعة من أنشطة الصواريخ الإيرانية. ويجب أن ترتبط هذه العقوبات بكل أجزاء القوات الصاروخية في إيران، بصرف النظر تماماً عن المدى. ويجب أن تستند صرامة كل حزمة من العقوبات إلى ما إذا كانت تعتبر رداً على تجربة صاروخية، أو عملية عسكرية، أو نقل للتقنيات، فضلاً عن القدرات المعروفة لكل صاروخ وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأعرب المسؤولون الإيرانيون عن وضوح تام لموقفهم من قيمة الترسانة العسكرية المتنامية لدى بلادهم. وتحتاج أوروبا، بدعم قوي وراسخ من الولايات المتحدة، إلى تحويل الأقوال إلى أفعال في خاتمة المطاف.

- بالاتفاق مع «بلومبرغ»