استنتاجات الدكتورة حياة اليعقوبي وتعليلاتها التي نقلتها حرفياً في أواخر المقال السابق، كلها غير صحيحة. وكذلك استنتاجاتها وتعليلاتها التي لم أوردها هي الأخرى غير صحيحة. وسأكتفي بإيراد تنبيهات وتعليقات على ما نقلته حرفياً من بحثها.
الاقتباس الأول: لا يوجد – كما ادعت – في رسالة حسن البنا في الجهاد ما يشير إلى أنه يردّ على فكرة قال بها المستشرقون – تحديداً – عن الجهاد. فنص ما قاله هو: «أتى على الناس حين من الدهر وهم يغمزون الإسلام بفرضية الجهاد وإباحة القتال حتى تحققت الآية الكريمة: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) فها هم الآن يعترفون بأن الاستعداد هو أضمن طريق للإسلام».
فالإشارة إلى الذين يرد عليهم فيما قاله، كانت غامضة ملبسة، فمن هم «الناس» الذين أتى عليهم حين من الدهر يغمزون الإسلام بفرضية الجهاد وإباحة القتال؟! هل هم مطلق الناس بمن فيهم المسلمون، أم «الناس» هنا هم غير المسلمين؟!
في استقصائي عن التاريخ الذي كتب البنا فيه رسالته في الجهاد، لم أعثر على معلومة مؤكدة تشير إلى السنة التي حرر فيها رسالته، لكن من خلال قوله: «فها هم الآن يعترفون...». نفهم أنه يومئ إلى دول الحلفاء. وهذا يعني أنه إما كتبها في أول الحرب العالمية الثانية، وإما أنه كتبها في خضمها، وإما أنه كتبها مع نهايتها، وإما أنه كتبها في السنوات الثلاث التي تلت انتصار دول الحلفاء على دول المحور.
وهذا يعني أيضاً، أن الناس الذين أتى عليهم حين من الدهر يغمزون الإسلام بفرضية الجهاد وإباحة القتال هم الذين أتى عليهم بضع سنوات صاروا يسمون فيها بدول الحلفاء!
إن إشارة حسن البنا عدا كونها أنها كانت غامضة وملبسة، هي - من جميع جوانبها ــ كانت ركيكة جداً، وزاد ركاكتها ركاكة استشهاده بتلك الآية القرآنية في غير موضعها.
الاقتباس الثاني: لا يسمى الغموض والإلباس والركاكة خطاباً هادئاً. إن الفرق بين المودودي وحسن البنا في تناول قضية الجهاد، أن الأول - بصرف النظر عن غلوه وتطرفه الديني - ملمٌّ بما يقال من طعن في الإسلام من خلال تلك القضية، والتي كانت أحد وجوه الطعن فيه في القرن التاسع عشر وفي مستهل القرن العشرين، وأن الآخر ــ كما في رسالته في الجهاد ــ ضحل العلم فيما قيل في هذا الصدد.
وأن الفرق بين مضمون رسالة المودودي في الجهاد ومضمون رسالة البنا في الجهاد، أن الأولى كانت معنية بما قيل من طعن في الجهاد الإسلامي، وأن الأخرى لم تكن معنية بهذا الأمر، ولا كان هذا الأمر من أسباب أو سبب تحرير البنا رسالةً في الجهاد. وعليه لا يصح أن تقول عن المودودي إنه كان متوسعاً وأن البنا كان مقتضباً. أما تعليلها لما سمّته الانفعالية في رسالة المودودي ولما سمّته الهدوء في رسالة البنا بزعامة الأخير لحركة في ظرف سياسي دفعه أن يجعل الجهاد يتوجه إلى الخارج لا الداخل، فليس له وجه من الصحة، فكتاب «الجهاد في سبيل الله» هو محاضرة ألقاها المودودي في عام 1939. وفي الوقت الذي ألقى فيه محاضرته كانت القارة الهندية مستعمرة من قبل بريطانيا، وكانت لا تزال تسمى الهند البريطانية. وتلك المحاضرة كانت تلخيصاً لبعض ما جاء في كتابه «الجهاد في الإسلام» الذي ألّفه عام 1927. ولعلها تعلم أن استعمار بريطانيا للقارة الهندية كان أقوى وأشد وأشرس من استعمارها لمصر.
الاقتباس الثالث: ما ورد في صدر هذا الاقتباس المتعلق بسيد قطب كذبة افتراها الإخوان المسلمون. ويجب على الباحث والكاتب الذي يتحرى الحقيقة أن يكف عن ترديدها. ولقد أوضحت في كلام سابق أن سيد قطب بدأ الأخذ بنظرية المودودي على نحو جزئي ابتداء من كتابه «الإسلام والنظام العالمي» الذي ألّفه عام 1951. وفي ذلك العام لم يكن سيد قطب مسجوناً، ولم ينشأ في مصر بعد، سجون فيها معاناة وتعذيب للمسجونين في قضايا سياسية وأمنية.
لم أر ــ كما رأت الدكتورة حياة في رسالة حسن البنا في الجهاد ــ ما سمّته دفاعاً عن الجهاد في ضيقه واتساعه، ولم أر ــ كما رأت فيها ــ إقناعاً وترويجاً دعوياً للجهاد من أجل أن يوجه ضد المستعمر الإنجليزي. ولم أر ــ كما رأت فيها ــ ما يوحي بأن «الغرب هو وحده الكافر» الذي يستحق الجهاد ضده.
إن ما رأته في الرسالة ليس إلا تخرصات وأماني.
الاقتباس الرابع: ليس البنا أكثر حرفية من المودودي ولا من سيد قطب في الربط بين الآيات ولا بتدخله في أكثر من موضع... إلخ.
إن المودودي وتابِعُه سيد قطب لو اختارا أن يكتبا عن الجهاد بالطريقة التقليدية البسيطة والابتدائية التي كتبها البنا عنه، فمن المؤكد أنهما سيكونان أتقن منه وأبرع فيها.
رسالة البنا في الجهاد رسالة بسيطة وفقيرة، وأي طالب علم ديني ناشئ، يمكن أن يكتب مثلها أو أفضل منها.
وقد غاب عنها، أو هي لا تعلم - وهي تقرأ رسالة سيد قطب في الجهاد وتجري مقارنة بينهما وبين رسالة حسن البنا في الجهاد - أن ما قاله سيد قطب في رسالته، قد اجتزأه من كلام طويل، من تفسيره لآيات القتال، كان قد قاله في كتابه «في ظلال القرآن».
إننا إن أردنا أن نجري مقارنة بين رسالة البنا في الجهاد ورسالتي المودودي وسيد قطب في الجهاد، يمكن أن نقول إن الثلاثة يرون أن الجهاد ركن معطل من قرون طويلة، ويجب إحياؤه مجدداً، وأن الجهاد هو جهاد دفاعي وهجومي في آن. وأن المودودي وسيد قطب قدما أطروحة مضادة لرؤية الإسلام الإصلاحي حول الجهاد، في الهند وفي العالم العربي وفي سائر العالم الإسلامي، مع ملاحظة أن المودودي في هذه الأطروحة كان هو الأساس والملهم لسيد قطب.
ما من شك أن حسن البنا في رسالته في الجهاد يخالف رؤية الإسلام الإصلاحي للجهاد بأنه جهاد دفاعي لا هجومي، لكن مخالفته هذه لا ترتقي إلى مستوى الأطروحة المضادة.
يقول حسن البنا في رسالة الجهاد «شاع بين كثير من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر، وأن هناك جهاداً أكبر هو جهاد النفس. وكثير منهم يستدل لذلك بما يروى (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب أو جهاد النفس).
وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له بنية الجهاد والأخذ في سبيله، فأما هذا الأثر فليس بحديث على الصحيح... على أنه لو صح فليس يعطي أبداً الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين ورد عادية أهل الكفر عنها، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص إلى الله في كل عملها، فليعم».
هذا هو كل ما قاله في مخالفته لرؤية الإسلام الإصلاحي للجهاد، وذلك برد الحديث، بأنه ليس بحديث على الصحيح، وأن البيهقي رواه بسند ضعيف. ولننتبه أنه تلافى أن يجابه رؤية الإسلام الإصلاحي للجهاد، والذي يعتمد من بين ما يعتمد في رؤيته الجديدة على التفسير المعنوي للجهاد الذي ينطق به ذلك الحديث؛ إذ إنه لم يسم أحداً من أهله، فقال: شاع بين كثير من المسلمين.
يقول البنا في تلك الرسالة بعد أن سرد أقوال بعض العلماء في حكم الجهاد «فها أنت ذا ترى من ذلك كله كيف أجمع أهل العلم مجتهدين ومقلدين، سلفيين وخلفيين، على أن الجهاد فرض كفاية على الأمة الإسلامية لنشر الدعوة، وفرض عين لرفع هجوم الكفار عليها». هذا الحكم الفقهي الذي دعا إليه البنا في رسالة الجهاد، وهو أن الجهاد الهجومي لنشر الدعوة الإسلامية فرض كفاية على المسلمين، وأن الجهاد الدفاعي فرض عين عليهم للدفاع عن ديارهم، رأي كان يقول به العلماء التقليديون في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، إبان سيادة وانتشار رؤية الإسلام الإصلاحي للجهاد بين المسلمين.
لكن ثمة فرقاً بين أن يقول هؤلاء به وبين أن يدعو البنا إليه، فهم يقيدون الجهاد بسماح ولي الأمر أو الحكومة به. أما حسن البنا فوضعه مختلف عنهم؛ لأنه زعيم جماعة سياسية اجتماعية فكرية. وهذه الجماعة تعتبر البنا هو ولي أمرها، وحكومتها المطاعة.
ومما لم تنتبه له الدكتورة حياة أن الرسالة موجهة إلى الإخوان المسلمين وليس إلى عموم المسلمين. فهو في خاتمة الرسالة قال: أيها الإخوان. وكانت هذه الرسالة من ضمن رسائل أخرى، كان يتلقاها الإخواني المستجد، ليسير وفقها في الدين وفي الدينا.
وإذا كان حسن البنا في رسالة الجهاد جعل الجهاد – كما قالت الدكتور حياة – يتوجه إلى الخارج لا الداخل، فلماذا أنشأ النظام الخاص، الذي هو تنظيم عسكري مسلح سري، قام بأعمال إرهابية في مصر ضد مصريين لا المحتل الإنجليزي؟!
TT
تنبيهات وتعليقات على اقتباسات
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
