مايكل شومان
TT

أميركا والصين... حرب تجارية مكلفة

يقول مستشار مالي أعرفه وهو فرانك أستورينو إنه لا يوجد شيء يضيع الثروة مثل الانفصال بالطلاق.
ويعد هذا بمثابة رسالة تحذيرية ينبغي أن تظل في أذهان الصينيين والأميركيين في ظل تصاعد حربهما التجارية. إذا استمروا في هذا الطريق، سيكون من المحتمل جداً أن تكون النتيجة انفصالاً اقتصادياً بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. ومن المرجح أن تتجاوز تكلفة ذلك الأمر تكلفة أي شجار أو خلاف زوجي عرفه التاريخ.
هناك دوماً فرصة أمام دونالد ترمب وشي جينبينغ لتجديد صداقتهما والتوصل إلى اتفاق. مع ذلك إذا استمرا في تهديداتهما، وهو ما يفعلانه حتى هذه اللحظة، سوف تخضع كل المنتجات التي يتم المتاجرة بها بين الدولتين عملياً إلى تعريفات جزائية تبادلية.
على الجانب الآخر، توشك واشنطن على الانتهاء من وضع قيود أكثر صرامة على الاستثمار الأجنبي، ومن الواضح أنها تستهدف بذلك منع الشركات الصينية من الاستحواذ على شركات أميركية.
في ظل الحواجز الموجودة في الصين بالفعل أمام الشركات الأجنبية، والتي من الممكن أن تزداد في خضم تلك الخلافات، ما سيحدث هو أمر لم يكن لأحد تصوره منذ بضعة أشهر فقط، وهو احتمال قطع الصين والولايات المتحدة لروابط وعلاقات التجارة والاستثمار التي جعلتهما شديدتي الارتباط والتماسك لسنوات كثيرة. لم يشهد العالم انفصالاً له مثل هذه العواقب العالمية منذ طلاق هنري الثامن.
ربما يقول البعض أولاً إن الزواج لم يكن سعيداً، حيث ينظر الكثير من الأميركيين إلى الصين باعتبارها شريكاً لا يمكن الاعتماد عليه. ويعتقد كثير من واضعي السياسات الصينيين، الذين بدأوا يطالبون مؤخراً بدعم البدائل المحلية للمنتجات والتكنولوجيا الأجنبية، أن العلاقات القوية مع الولايات المتحدة لم تعد مجدية أو نافعة.
مع ذلك من المؤكد أن كلتا الدولتين سوف تجدان هذا الانفصال عسيراً. لطالما كانت سهولة دخول السوق الأميركية حجر الزاوية للنمو الصيني منذ الثمانينات. صحيح أن السوق المحلية الصينية كبيرة للغاية في الوقت الحالي إلى حد يجعل الصادرات أقل أهمية، لكن الاقتصاد الأميركي لا يزال أكبر من الاقتصاد الصيني بمقدار 7 تريليونات دولار وهو فرق يعادل الناتج المحلي لكل من البرازيل وفرنسا والهند مجتمعة.
لا يمكن لشركة صينية طموحة الزعم بأنها عالمية ودولية إلا إذا كان لها وجود في الولايات المتحدة. لهذا السبب افتتحت شركة «زيجيانغ غيلي هولدينغ غروب كومباني» الصينية المصنعة للسيارات مصنعاً لإنتاج السيارات الـ«فولفو» في ساوث كارولينا، رغم ما تتمتع به من فرص كبيرة لبيع سيارات الـ«سيدان» في الصين.
يتم تجميع جزء كبير مما تصدره الصين إلى الولايات المتحدة محلياً بغرض شحن المنتجات في صورتها النهائية مثل هواتف الـ«آي فون» إلى المستهلكين الأميركيين. سوف يضطر تقييد دخول السوق الأميركية الشركات الصينية والأجنبية إلى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد الخاصة بها في عدد من القطاعات بدءاً من الإلكترونيات، ووصولاً إلى الملابس وألعاب الأطفال، مما يمثل ضربة قوية للتصنيع الصيني. كذلك من شأن ذلك تقويض آمال الصين في أن تصبح مركزاً عالمياً لأحدث المنتجات المتطورة. دون وصول تنافسي إلى السوق الأميركية، سيكون من الضروري نقل بعض الطاقة الإنتاجية، التي كان يتم توفيرها في الصين، إلى مكان آخر.
ستكون التكلفة مرتفعة بالنسبة للولايات المتحدة أيضاً، حيث يتوقع هومي كاراس من معهد «بروكينغز»، أن تمثل الصين 22 في المائة من الإنفاق الاستهلاكي العالمي للطبقة الوسطى بحلول عام 2030، مقارنة بـ7 في المائة من جانب الولايات المتحدة. ربما يتم خسارة أولئك المتسوقين الصينيين الجدد لصالح علامات تجارية أوروبية، أو يابانية، أو محلية إذا واجهت الشركات الأميركية حواجز وعراقيل أكثر صرامة تتعلق بقيامها بأعمال تجارية في الصين مقارنة بوضعها الحالي.
ربما تخسر الولايات المتحدة الاستثمار أيضاً، حيث تتوسع الشركات الصينية الكبرى عالمياً، وسوف تتحول إلى شركات مستثمرة أكبر وأقوى في الخارج، مثلما فعلت الشركات اليابانية في الثمانينات. من المرجح أن ينقل رجال الأعمال الصينيون، الذين يتعرضون لبيئة عدائية في الولايات المتحدة، رأسمالهم إلى مكان آخر. وقد تراجعت الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة بمقدار النصف في عام 2017 مقارنة بالعام الذي يسبقه بحسب «المعهد الأميركي للمشروعات الرائدة». ويرى ديريك سيزورس، الباحث في المعهد، أن السبب في ذلك هو خفض الإنفاق على بعض الواردات الصينية في بعض الولايات الأميركية، والفحص الدقيق للصفقات الصينية من جانب الولايات المتحدة.
مع ذلك ربما لا يكون الخطر الأكبر الناجم عن انفصال الولايات المتحدة والصين خطراً اقتصادياً، حيث يقال إن من أسباب كون نهضة الصين حتى هذه اللحظة سلمية هي تكامل اقتصادها واندماجه مع القوة العسكرية، والسياسية، والاقتصادية للعالم. وإذا ضعفت تلك الروابط، ربما يصبح الصراع الصريح الواضح مرجحاً.
بطبيعة الحال قد لا يكون أي انفصال نهائياً، فمن المرجح أن تظل شركة «ستاربكس كوربوريشن» في الصين، لكن خلال الأربعة عقود الماضية، كوّن البلدان حياة مشتركة عادت بمنافع هائلة على المستهلكين، والقطاع المنزلي، وحاملي الأسهم. لذا يضع التوجه المستمر المتهور نحو الانفصال كل ذلك في خطر. وربما تستغرق استعادة تلك الثروة الضائعة زمناً.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»