عبد الله شقرون
* المدير العام السابق لاتحاد إذاعات الدول العربية
TT

مجالس العلم في رمضان

ذكريات الإنسان المسلم عن شهر رمضان خلال مختلف مراحل العمر التي اجتازها أو ما يزال في خضم مرحلة منها حيا يرزق، تتلون بتلون البيئة التي عاش فيها وتربى والبلد الذي ينتهي إليه ومحيط الاشتغال أو العمل الذي كان قد ارتبط به ومارسه.
وشهر رمضان في المغرب وعند أهله فضلا عن التمسك الحميد بمراعاة واجبات العبادة والإقبال بكل تلهف على التبضع في الأسواق، يتسم هذا الشهر الفضيل بالتوافد الشديد في لياليه على المساجد وبيوت الله إلى درجة الازدحام المشهود في الدخول إليها زرافات زرافات لأداء صلاة العشاء والتراويح فيها وهذه ظاهرة متنامية تعرفها الآن المدن والحواضر والجهات القروية على حد سواء بالغرب.
لكن ذكرياتي الشخصية في مرحلة الشباب المبكر في المدينة التي ولدت فيها وترعرعت بين أحضانها، مدينة سلا المجاورة لمدينة الرباط، كانت في الأربعينات من القرن الماضي، زاخرة زخورا ملحوظا ومدهشا بتنظيم المجالس العلمية الإسلامية التطوعية في أصالتها. وكان عالم مرموق وخالد الذكر والأثير ينشطها في جلستين اثنتين كل يوم، جلسة بعد صلاة الصبح وجلسة عشية بعد صلاة العصر، وبحضور أفواج من الطلبة المحليين إلى جانب طلبة آخرين مميزين لأنهم كانوا وفرة كريمة من طلبة جامعة القرويين بمدينة فاس طلبة نظاميين هناك من أبناء سلا لأن هذه الجامعة الإسلامية الشهيرة كانت أثناء شهر رمضان تمنح طلبتها عطلة كانت تسمى «عواشر رمضان».
وقد كنت حريصا كل الحرص على حضور تلك الجلسات الرمضانية الطافحة بالنورانية العلمية والربانية في آن واحد، وكان الصف الأول المواجه مباشرة لكرسي العالم الجليل شيخ الجماعة الأستاذ أحمد بن عبد النبي رحمه الله، يتكون من مجموعة من الطلبة المقيمين دأبا في مدينتنا وإلى جانبهم مجموعة من الطلبة السلاويين الذين يتابعون تكوينهم في جامعة فاس. أما الصفوف الأخرى فكانت تتألف من زمرة المستمعين الأحرار محبي العلم وتتبع دروسه شبانا وكهولا وشيوخا. شيئا ما على شاكلة نظام الطلبة المستمعين الأحرار في الجامعات والمعاهد العليا أيام زمان في أوروبا.
وقوام تلك الدروس الرمضانية كان خاضعا لترتيب مساير لأيام الأسبوع دروس على أساس كتاب «رسالة ابن أبي زيد القيراواني» في الفقه الإسلامي المالكي، ودروس الأحاديث النبوية وشرحها على أساس كتاب «صحيح الإمام البخاري» الجامع الصحيح، ودروس تفسير القران الكريم كل جمعة على أساس كتاب تفسير «الجلالين» لجلال الدين أحمد المحلي، وجلال الدين عبد الرحمن السيوطي.
يذكر أن أهل مدينتنا كثيرا ما كانوا يتحدثون فيما بينهم عن استخلاصاتهم من تلك الدروس ويبلغونها الحاضرون من بينهم إلى سواهم ممن تعذر عليهم حضورها.
كانت بالفعل مواضيع ممتعة لأحاديث عموم الناس من خلال شهر رمضان في المجتمع السلاوي أثناء الإفطار يوم لم تكن هناك مسلسلات التلفزيون.
ذلك هو الوسط الذي نشأت فيه شابا يافعا وإلى الآن تعود بي الذكريات إلى تلك المرحلة فأتصور مع ترجيح الخيال أيامها البهيجة.
وهذا وذلك بخلاف أصداء دروس العشاء الرمضانية التي كان أستاذنا شيخ الجماعة السلاوي جليل القدر والمقام ينشطها في مسجد صغير آخر اسمه مسجد سيدي عبد الله بوشاقور، فإنها في صميمها وتصميمها كانت موجهة إلى الطلبة وخصوصا منهم طلبة جامعة القرويين أثناء وجودهم في إجازتهم الرمضانية بمدينة سلا.
وكانت تلك الدروس مفتوحة كل رمضان في وجه عموم روادها من الناس، ولكنها كانت كما نقول اليوم، دروسا تخصصية، مضمونا وأسلوبا. وقوامها كان كتاب «بداية المجتهد» لابن رشد الفقيه (عم ابن رشد الفيلسوف وإمام المسجد الجامع في قرطبة ببلاد الأندلس)، وكتاب«القويسيني في علم المنطق»، وأستاذنا العالم كان متبحرا في الفقه وأصوله ومنابعه ومراجعه، وفي علم المنطق ومراميه، وكان يجد نشوته وضالته المنشودة في هذه القضايا ويصول ويجول في شرحها طولا وعرضا خلال عشايا شهر رمضان. وعلى الرغم من يفاعتي كنت في ذلك المجلس أضغط على فكري قدر مستطاعي للتتبع والإدراك في هذا المجال.
* المدير العام السابق لاتحاد إذاعات الدول العربية