كيف ننزع الكراهية من أزمة الخليج؟

كيف ننزع الكراهية من أزمة الخليج؟

السبت - 20 ذو القعدة 1438 هـ - 12 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14137]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.
في الفضاء الكتابي (الورقي، وخصوصاً الافتراضي) تندلع بين عدد من أبناء دول مجلس التعاون، وآخرون يبدون الود الظاهري، موجة من «العنف اللفظي» من مناصرين لهذا الطرف في الأزمة، أو ذلك الطرف، فيما عرف الآن بـ«الأزمة القطرية»، وكلما طالت الأزمة، زاد ذلك العنف اللفظي، واستخدمت فيه أدوات وتعابير ومفردات، في رأي كثيرين، غير مطلوبة ولا مرغوبة بين الأشقاء. بعد الفترة الماضية التي تسير في شهرها الثالث، من الواجب الدخول اليوم في نقاش يرمي إلى تطوير أفكار تضيء العتمة في مساحات تفكيرنا في هذه الأزمة بروية، وبعيداً عن الانفعال، وقد تؤهل لهبوط آمن.
ليس من العدل أبداً، أن نعتبر أن تلك الموجة من الحوار الحاد (الورقي والافتراضي) غير مبررة في البداية، وقد لفت الجميع آثار الانفجار الفجائي للأزمة، فالبعض كان يرى أن ما يدافع عنه قضية لا يحتمل التنازل عنها أو تركها دون التعبير عن وجهة نظر قاطعة، إلا أن تلك الموجة من النقد أن تبقى وتستمر بعد المفاجأة الأولى وتحمل الكثير من «الكراهية الحادة» لهذا الطرف أو ذاك، هو الأمر غير المبرر، وقد اتضح للجميع حدود الأزمة وتضاريسها، وهي تضاريس سياسية، نقلُها إلى الفضاء الاجتماعي فيه مخاطرة على تماسك النسيج الخليجي على المدى الأطول. والظاهر أنه كلما قلت ثقافة المتدخل، أو بعده عن الفهم العاقل للحوار، أو حتى عن فهم صلب الإشكال، غلظت الكلمات عنده، وعظمت التعبيرات السلبية، وزاد من خلط الأوراق، مما يؤدي إلى ارتفاع هرم الكراهية لدى العامة، يسمم الأجواء ويعوّق الحلول. ربما بعض أولئك المتدخلين مزايدون، أو يتحدثون على قدر عقولهم، يرفدهم البعض بمعلومات، إما مغلوطة أو حتى غير حقيقية، إلا أن النتيجة النهائية هي تسميم الجو العام، على افتراض خاطئ أن تلك الموجة من العنف اللفظي سوف تقوم بحل الإشكال المطروح، هي في الحقيقة تساهم في تعقيده لا حله، وتضيف حطباً إلى النار المشتعلة، يتلقاها العامة بعاطفة، ويزداد معها التخندق في هذا المكان أو ذاك.
حتى ننزع الكراهية لو قليلاً أو نخف منها، نعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي، دون تهوين أو تعظيم، الأزمة في صلبها «سياسية» هي خلاف سياسي، نعم أساسي وخطير، وقد وتر المنطقة بأسرها، ولكنه ليس «احتلالاً» ولا حتى «تهديداً باحتلال»، هي سياسية، ثقيلة نعم، ولكن سياسية، وما دامت كذلك، فإن علاجها سياسي يجب البحث عنه بصبر وأناة.
أول ما يتوجب البحث عنه في مثل هذه الأزمة، هو إيجاد وسيط قريب من أطراف الأزمة، وله صدقية بين الأطراف وأن يكون «مقبولاً ومعقولاً»، وليس أكثر من الكويت أن تقوم بهذا الدور، لأنها أول من يعرف أن بقاء وتطوير مجلس التعاون أصبح ضرورة حياتية لكل قاطنيه، ولأن التهديدات حول المنطقة واحدة، والنجاة منها لا تتيسر إلا من خلال رص الصفوف، وليس أكثر من حرص المملكة العربية السعودية على هذا الكيان، وأستأذن الأخ الكبير عبد الله بشارة في النقل عنه، وكان أول أمين عام للمجلس، وأطول فترة له، ينقل عن وصية عن الملك المرحوم - طيب الله ثراه - فهد بن عبد العزيز، قال أكثر من مرة، كما ينقل السيد بشارة: «نحن ست دول، سوف نسير لتحقيق الأهداف لهذا المجلس على وقع خطى أقلنا قدرة على المسير»، في هذا القول حكمة بليغة، وفهم عميق للعلاقات الخاصة بين دول مجلس التعاون وحساسيتها، مقروناً بحكمة متوارثة للأسرة الحاكمة السعودية، انحدرت من الوالد المؤسس إلى الأبناء، وهي حكمة زادت لدى الملك سلمان بن عبد العزيز، بسبب تاريخ عمله الطويل في الشأن العام، وفهمه لأحوال المنطقة وأهلها، عدا عن مكانة ودور المملكة العربية السعودية، التي أرى أنها عمود الخيمة الخليجي.
وساطة الكويت لا تأتي من فراغ، فقد واكب أمير الكويت الشيح صباح الأحمد، مسيرة التعاون الخليجي منذ فكرتها الأولى، وخزن خبرة سياسية ودبلوماسية طويلة، كما وجدنا أن دولاً كثيرة من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها تعتبر أن وساطة الكويت هي ركيزة في الوصول إلى حل ما في وقت ما، كما أن الإصرار على أن يبقى حل الأزمة في البيت الخليجي، له مردوده الإيجابي في المستقبل، خصوصاً أنه على مقلب آخر أن العالم يمر بمرحلة غير مستقرة، وقد تتعاظم المخاوف مع قلق عالمي واضح على الأمن الدولي، وتغيرات ضخمة في داخل الدول الكبرى، تعود معه البلدان تلك إلى قشرتها الوطنية، فليس لهذه الدول لا الرغبة ولا الوسائل للتدخل النشط (خارج الدبلوماسية المعهودة) في قضايا لها طابع إقليمي بعيداً عن حدودها. وفي مثل هذا الملفات، بجانب أهمية الوساطة المحلية العارفة، هناك خطوات تتخذ على مراحل، منها نزع الفتيل عن تضخيم الخلاف، من خلال تقليل شراهة وسائل الإعلام في النفخ في الأزمة، وتقليب المواجع، ووضع السكين في الجرح، أو إعادة إنتاج مواقف الفاعلين والبعد عن الموضوعية، التي هي في بعض مثل هذه الملفات ضارة وغير نافعة، وإن بدت للبعض ولفترة قصيرة أنها خادمة للغرض، فالمجتمع الخليجي أو على الأقل نخبه الواعية، لم تعد تؤثر فيها تلك «الدعاية» غير الموضوعية، وإن بدا الحماس لدى البعض في الاصطفاف والتحزب، هو إما من قلة الخبرة أو قلة الفهم أو الاثنين معاً، أو ربما التكسب السياسي، فمن خلال متابعة معقولة لوسائل التواصل الاجتماعي، يلاحظ المراقب أن «التغريدة» المعقولة والمتوازنة في موضوع الأزمة هي التي تحظى بقبول أوسع إيجابي بين الجمهور الخليجي، وقد يرى البعض أن «تغريدات» حادة في الكلام والمواقف من البعض، تتابع بكثرة على وسائل الاتصال الاجتماعي، وهذا صحيح، لأن الإنسان بطبعه جُبل على «حب الاستطلاع» أولاً، وثانياً «السعي وراء الإثارة»، ولكن ليس الاقتناع بما قيل بالضرورة! في هذا الملف الشائك (الأزمة القطرية) يجب ألا نقلل من ثقل التباينات بل هواجس ترقى إلى مخاوف بين أطرف الأزمة، وهي تباينات حادة، جعلت دول المقاطعة تتجه إلى «الكي كآخر العلاج» أي المقاطعة، إلا أن الملف يجب أن تعاد الزيارة إليه بجدية من خلال «فصل العاجل عن الآجل»، وهو أمر بدأت معالمه تظهر في بعض التصريحات العلنية، وبعض الإشارات الدبلوماسية، وربما أصبح الجميع الآن يعرف أن استمرار الأزمة في شكلها الحالي، يعني خسارة محققة لأبناء الإقليم ككل، وعلى رأس تلك الخسارة تسهيل التدخل من قوى إقليمية، يسرها إلقاء التراب في تروس مجلس التعاون لتعويقه.
نعود من جديد بعد ذلك إلى موضوع الكراهية، ربما بعضها سوف يبقى عالقاً في النفوس بعد هذه الأزمة الحادة، ولكن كثيراً منها في الغالب سوف يكون سطحياً، يتلاشى مع الوقت، وذلك بسبب حقيقة ثابتة يعرفها كثيرون، بأن مجتمع الخليج، مترابط في الجغرافيا والتاريخ معاً، واليوم تجمعه مصالح مشتركة، وقد مر في السابق بتوترات، حتى قبل الدولة الحديثة، ومن ثم أصبحت «الدولة الوطنية» وريثة بعض التباينات، تغلب عليها الجيل الجديد من الحكام بكفاءة مشهودة، ما يفعله التاريخ والجغرافيا والمصالح معاً من تَسانُد، يبقى عصياً على التفكيك، والتاريخ والجغرافيا لا يمكن أن يغيرا بسبب (رؤى نسبية) سياسية، قد يتجاوزها الجميع بحل سياسي، لذلك يجب أن يبقي على الجسم الخليجي معافى، فالجسم المعافى يبرأ أسرع من الجسم العليل.

آخر الكلام:
هناك قوى وأحزاب وأفراد «ترقص في كل حفل» ووجدت في الأزمة الخليجية ضالتها، للرقص المحرم!

التعليقات

صالح الشرقي
البلد: 
دولة قطر
12/08/2017 - 03:35

انا شاكر لك الاستاذ محمد الرميحي على مقالك الجميل والهادف نعم اظم صوتي الى صوتك واناشد وبشده ابناء مجلس التاعون بان يوقفوا هذه المهاترات اللفضيه اللتي لاتعود بالخير لا على مجتمعنا ولا على حكوماتنا بالخير بال بالعكس , وكذلك تعليقك على انها مساله سياسيه نعم اؤيد كلامك وازيد بانها سياسيه وتدار بسياسه دول كبرى قذره لاتريد الخير للمنطقه لانها قضت على الدول العربيه الاكبر في المنطقه والان جاء دور تقسيم المملكه فالخطه ماشيه حسب مارسمت وللاسف الحكومات الخليجيه تعي ذلك جيدا
اكرر شكري لك مره ثانيه

علي الحميضي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/08/2017 - 10:35

دمت فكرا نيرا وقلما سيالا يعبرعن أماني المخلصين من أبناء المنطقة ، وكلهم إنشاءالله كذلك ، ويعانق أشواقهم وآمالهم..لقد عشنا يا أيها الفاضل كابوسا رهيبا على مدى الشهرين الماضيين فزعنا فيه ، على حد تعبير عمنا المتنبي عندما صك سمعه نعي جدته ، بآمالنا إلى الكذب ..وأثق أن حضرتك وأنت صاحب القلم الذي لا يعجزه تناول أي موضوع بإحترافية وإقتدار، عانيت كثيرا في إعداد هذا المقال بين أكوام الدمار والأشجار المحترقة وحطام قيم المودة في القربى عند تناول هذا الموضوع من قبل بعض الأقلام هداهم الله.. دون شك فإن سمو أمير الكويت هو الأقدر من بين جميع الوسطاء ، لإعتبارات كثيرة، على تحقيق النتيجة المطلوبة إذا سانده إخوانه ملوك وأمراء الخليج.. أما الكي فلابأس، ولكن ينبغي لنا أن نتأكد، قبل ذلك ، أن النار ليست نارا إيرانية أو نارا إنتهازية تركية أوغيرتركية..

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/08/2017 - 15:08

وظلـم ذوي القربـى أشــدُّ مضـاضـة على المرء من وقع الحسام المهند أسقط الشاعر هنا عى أن أشد ظلم - والخذلان والنكران ظلم - هو ظلم الأقربين ، إذا كان الخذلان من ذوي القربى فهو الظلم العميق ، الذي لا تمحوه حوادث الأيام ، لو سألنا أنفسنا سؤالا ، ما المقياس للقربى ؟ فالحبيب قريب للقلب ربما كان بعيد النسب فظلمه خذلان ، هل عنى الشاعر في ذوي القربى الحبيب ، لم يكن يعني ذلك ، بل كان يعني قربى الدم والنسب ، إذن كل من أراد أن يفسر البيت يفسره على هواه ، فمن أراد الحبيب فهو من ذوي القربى عاطفة ، ومن عنى الجار فهو من ذوي القربى جوارا ، ومن عنى زميل عمل فهو من ذوي القربى زمالة ، حتى إنني سأقول أن من عنى الغريب فهو من ذوي القربى في غربته ، إذن فالخذلان المجرد يكون مرا باختلاف العامل للخذلان ، ويكون الخذلان أعمق حين تكون القرابة أعمق .سأقول إن الخذلان ،يتبع

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/08/2017 - 15:26

تابع
طَرَفة بن العبد ( القرن السادس الميلادي ) ..{ حياتهـ }هو عمرو بن العبد البكريّ أقصر فحول الجاهلية عمراً ومال إلى قول الشعر و الوقوع به في أعراض الناس. حتى هجا عمرو بن هند ملك العرب على الحيرة مع أنّه كان يتطلّب معروفه وجوده، فبلغ عمرو بن هند هجاء طرفة له فاضطغنها عليه، حتى إذا ما جاءه هو و خاله المتلمس أظهر لهما البشاشة وأمر لكل منهما بجائزة وكتب لهما كتابين وأحالهما على عامله بالبحرين ليستوفياها منه وبينما هما في الطريق ارتاب المتلمس في صحيفته فعرّج على غلام يقرؤها له ( ومضى طرفة ) فإذا في الصحيفة الأمر بقتله، فألقي الصحيفة و أراد أن يلحق طرفة فلم يدركه وفرّ إلى ملوك غسان وذهب طرفة إلى عامل البحرين وقتل هناك - وعمره نحو ست وعشرين سنة..{ شعره }يجيد طرفة الوصف في شعره مقتصراً فيه على بيان الحقيقة بعيداً عن الغلوّ و الإغراق
يتبع

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
12/08/2017 - 15:39

يتبع
وكذلك كان هجاؤه على شدة وقعه. ومن هنا نفهم أن الظلم الذي قامت به قطر تجاه جيرانها من الصعوبة بمكان بأن يتغير وقعه ، وآثاره الكارثية على شعب.قطر والجيران والعرب أجمعين ، الا بالعودة إلى رشده ، فما من احد يريد شكرا بقطر وشعبه الحبيب ، وكأننا ندعو هذا الشعب الأبي بأن يقول كلمته ، ويوقف الزحف الخسيس الذي تنتهجه حكومته لتعود المياه إلى مجاريها ، وإلا ، فإنها لن تعود وكما يقول المثل العامي ، اللي آنسكر لا يتصلح،
منقول

عبد الجبار الغراز
البلد: 
المملكة المغربية
13/08/2017 - 13:05

     راي الكاتب محمد الرميحي سديد .. الكويت كوسيط لحل الأزمة . لقد آن الأوان أن نكف ، كعرب ، عن توجيه قاذفات النقد نحو بعضنا البعض ، و نعلم جميعا أن سبب كل هذا التردي و هذا الضعف الذي لحق بنا ، هو تلك الصورة النمطية التي رسمها الغرب عنا و أظهرنا ، من خلالها ، ككائنات آدمية لا عمق تاريخي و حضاري لها .. 
    صورة سنورثها، و لا شك ، بوعي منا أو بدونه ، إلى أجيالنا اللاحقة ، إذا لم نع ظرفيتنا الدقيقة التي نتواجد فيها حاليا .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة