{أهل الهوا}

{أهل الهوا}

الاثنين - 19 رجب 1435 هـ - 19 مايو 2014 مـ رقم العدد [12956]
لا أكتب عن أهل الهوى بالمعنى المتوارث الذين غنى لهم زكريا أحمد ومن بعده سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم، لا أكتب عن أهل الهوى الذين يتجمعون صحبة ويقصرون الليل على وتر رنان مما يخفف من آلام العاشقين، أكتب عن أهل الهوا الجدد. أهل الهوا الجدد هم من يسيطرون على الهواء في الفضائيات ويملأون الشاشات التلفزيونية في عالم الأخبار والتوك شو بأنواعه، وربما ليسوا من قصدتهم «الست» بالصحبة الهنية، فالموضوعات المثارة لا أعتقد أن كثيرين يرون فيها أي هناء، لا في طريقة تغطية الأحداث أو حتى أسلوب العرض، ومع ذلك ونتيجة لتزايد عدد الفضائيات أصبح أهل الهوا «كارا» مثل أي مهنة أو كار تبرر لي استخدام عبارة «أهل الهوا» كوصف لهذا الجمع من البشر المشدود إلى وهج الشاشات كما تطير الفراشة إلى الضوء. ليس وحدهم طبعا، بل كما قالت الست «صحبة وأنا معهم». إذن نقدي لأهل الهوا سيكون نقدا للحالة وللذات والمجموع.
أهل الهوا لا يتقبلون النقد ويتملكهم الهوى، ومع ذلك أتمنى منهم ونحن في حالتنا هذه أن «يسمعوني»، ليس هذا فقط وإنما كما قالت وردة الجزائرية في أغنيتها «يا أهل الهوى»، اسمعوني وافهموني فلقد شربنا كثيرا من {الهوا سوا}، وإذا كانت وردة تغني عن شرب الهوى «شربنا وياما شربنا.. سنين شربنا من الهوى»، فالإخوة في لبنان وسوريا لا يتعاطون الهوا شرابا كما وردة الجزائرية وإنما يمثل الهوا بالنسبة لهم وجبة طعام كاملة في عبارتهم الشهيرة «أكل هوا، أو كل هوا». فنحن نأكل هوا ونشرب هوا هذه الأيام، والهوا وجبتها الوطنية الرئيسية. أكل الهوا هو عنوان فكرت فيه كبديل عن عنوان «أهل الهوا» الحالي، ورغم أنه عنوان أكثر دقة في التوصيف قررت، ولانحيازنا جميعا للست، أن يكون العنوان من إحدى أغانيها.
أكتب عن أهل الهوا استجابة لتلك الدعوة التي تلقيتها من نادي دبي للصحافة لأشارك في ندوة ضمن نخبة ممن... هنا أحاول أن أجد وصفا يجمع تلك الفئات المشاركة من إعلاميين وأكاديميين وسياسيين وغيرهم ممن سيحضرون المنتدى.. وجدتها ضمن نخبة ممن يتعاطون «أكل الهوا وشرب الهوا» وربما الهوا عن طريق الوريد. مهم أن أؤكد للقارئ العزيز أن هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها في هذا المنتدى وهذه بشارة خير - على رأي حسين الجسمي - فربما تكون قد تغيرت قائمة (لستة) الدعوة للمؤتمرات في عالمنا العربي، ووضع من دخلوا في سن الخمسين من بينها الآن أو ربما أن ثورات المنطقة - لم أسمها ربيعا أو خريفا الآن - فتحت كوة لكي يصل صوت بعضنا أخيرا أو أن السبب هو أنه رغم إنجازاتي العلمية لم يعرفني البعض إلا بعد أن أصبحت من أهل الهوا.
في بر مصر اليوم ورغم المعركة السياسية الشرسة على الأرض على روح مصر، فإن معركة أهل الهوا كانت هذا الأسبوع بين القنوات الخاصة ووزيرة الإعلام كممثلة للقنوات العامة أو الإعلام المملوك للدولة مقابل الإعلام الخاص. قامت الدنيا ولم تقعد لأن وزيرة الإعلام وقعت مذكرة تفاهم بالنيابة عن تلفزيون الدولة مع مجموعة «mbc» وشن أهل الهوا الخاص حربا على الوزيرة. كيف لها أن توقع مع مجموعة غير مصرية ونحن هنا. ودخلنا في حرب ضروس هي فقط حرب على كعكة الإعلانات التجارية التي لفها أهل الهوا في العلم المصري لتصبح قضية وطنية رغم أنها حرب دولارات لا غير. لست طرفا في هذه الحرب ويجب ألا أنحاز لإعلام الدولة أو الإعلام الخاص، فكلاهما له عيوبه، ولكن مهم في تغطيتنا الإعلامية للأحداث ألا تكون التغطية بمعنى التعتيم على الحدث بل التغطية تعني كشف الحدث وفضح ما وراءه. الحرب الدائرة بين أهل الهوا لا علاقة لها بمصر كوطن، بل لها علاقة بسوق الإعلانات التجارية وتلك غير الإعلانات السياسية التي سأفرد لها مقالا خاصا.
مهم أيضا أن نذكر أن الفارق بين الإعلام الخاص والعام في الحالة المصرية مضلل. خصخصة الإعلام لا تعني أن يمتلك وسائل الإعلام رجال الأعمال بصفتهم يمثلون القطاع الخاص. خصخصة الإعلام تعني تحرير الإعلام من قبضة الدولة وأن يخضع الإعلام كغيره من المنتجات لآليات السوق بعيدا عن الممارسات الاحتكارية للدولة أو للأشخاص، وهذا يعني أول ما يعني أن الشعب جزء منه عن طريق المشاركة من خلال الشركات المساهمة المفتوحة التي تعمل حسب قواعد السوق. بكل أسف رغم الحديث الكثير عن أن هناك إعلاما خاصا في مصر لم يسأل أحد من أهل الهوا كم مؤسسة إعلامية مصرية مطروحة في البورصة ليشتري الناس أسهما فيها ويكونوا شركاء في صناعة الإعلام؟ الإجابة هي صفر أكبر من صفر المونديال. لا توجد أي قناة أو صحيفة مصرية مطروحة ipo كأسهم في السوق يستطيع الناس الشراكة فيها. إذن هي احتكار قبيح لا علاقة له بآليات السوق أو فكرة القطاع الخاص. إذن الإعلام الخاص في مصر خاص بمعنى أنه يخص صاحب المال وعلاقاته المالية والسياسية مع مؤسسات في داخل الوطن وخارجه تحوم حولها كثير من الشبهات. ولكن هذه الأسئلة ليست من قاموس أهل الهوا.
في كتابي «حروب كلامية: الإعلام والسياسة في العالم العربي» المنشور منذ أكثر من خمس سنوات أي قبل الثورات العربية وبناء على دراسة ميدانية وتحليل محتوى استغرقت عامين من التمحيص وجدت أن سوق الإعلان العربي يبلغ نحو 1.5 مليار دولار، بينما تكاليف إدارة المحطات التلفزيونية التي كان عددها ثمانين محطة أيامها ومعها الراديو بلغ نحو 15 مليار دولار. وكان السؤال الذي يشغلني من الذي يدفع هذه الخسارة المالية التي تبلغ 13.5 مليار دولار سنويا؟ ولماذا؟ ولم يكن لديّ تفسير في النهاية إلا القول بأنني أخطأت في حساب ما يمثل إعلانا؛ فإعلانات البضاعة التجارية هي فقط جزء من الإعلانات ولكنها الإعلانات الأرخص. أما الإعلانات الأغلى التي يصل ثمنها إلى 13.5 مليار دولار فهي إعلانات سياسية. وهي ما تمثل بقية شغل أهل الهوا، شيء أشبه بالإنفوتينمت أي الإعلان الذي يسوق على أنه معلومات. وهذا ما يمثله القطاع العام الإعلامي الصريح أو {أكذوبة} الفصل بين الدولة وإعلامها في حالة قناة «الجزيرة». وهي القناة التي أخذت عالم الهوا إلى مستوى مختلف من البهرجة والدعاية المغلفة من الدعاية للدولة إلى الدعاية لـ«القاعدة» ولـ«الإخوان المسلمين» من خلال رجال الهوا وبنات الهوا وأسست لمدرسة جديدة ومعنى جديد لعبارة الإخوة اللبنانيين «أكل الهوا، أو كل هوا».
باستثناء هذه الصحيفة لا يوجد وسيلة إعلام عربية مطروحة كأسهم في السوق يمكن تقييم أرباحها وخسائرها حسب آليات السوق. كل الإعلام العربي اليوم وخصوصا الفضائيات الإخبارية تخسر بالملايين كل يوم، ولكن لأن السياسة أو السلوكيات الملتوية سواء داخل الحدود أو خارجها هي التي تغطي هذه الخسائر تبقى هذه القنوات تعمل من دون معايير ولحساب الكفيل المالي الذي يغطي الخسارة. الانحراف المالي يؤدي إلى انحراف في نوعية المحتوى المعروض على الشاشات.
ننادي كثيرا في العالم العربي بفصل الدين عن السياسة، ولكن المطلوب في حالة الفضائيات هو فصل الإعلان التجاري عن الإعلان السياسي، كي نعرف لمصلحة من يعمل الإعلام وعند من ولمصلحة من يعمل أهل الهوا.
سؤال منتدى دبي هو: ما هو تأثير الربيع أو الخريف العربي على وسائل الإعلام والتغطية؟ الإجابة لن يؤثر على الإعلام العربي ربيع أو خريف طالما أن الإعلان التجاري مخلوط بالإعلان السياسي، وطالما أن الشركات الإعلامية لا تخضع لقواعد السوق تجاريا وإعلاميا. الثورات لم تحدث في الإعلام العربي بعد. والثورة حدثت على الأرض في الميادين ولكنها لم تحدث على الهواء أو في رؤوس أهل الهوا. تحدث الثورة عندما لا تكون التغطية الإعلامية للثورات هي وسيلة يستخدمها أهل الهوا للتغطية على عورات الإعلام. حتى الآن في مصر التي أنا منها يطالب أهل الإعلام الخاص الدولة بالشفافية كعلامة من علامات الديمقراطية، وجميعنا لا يعرف مصادر تمويل الإعلام الخاص وملايينه. الشفافية تبدأ من وسائل الإعلام نفسها قبل الدولة؟ فهل يجرؤ أهل الهوا على طرح سؤال (من أين لك هذا؟) لأصحاب القنوات التي يعملون بها؟ بعد الإجابة عن هذا السؤال يمكننا الحديث عن إعلام الربيع وإعلام الخريف.
حلت مدرسة «الجزيرة» محل أم كلثوم وخلقت عالما جديدا من رجال الهوا وبنات الهوا، وحتى الدول والشعوب التي ترفض هذا السلوك الرخيص تدريجيا وجدت نفسها تنحدر في مستنقع أهل الهوا. أمام العالم العربي عشر سنوات أخرى من أكل الهوا حتى ينتقل من مراهقة الشاشة إلى رشد الدولة والحضارة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة