أين يتبخّر الجلّادون؟

أين يتبخّر الجلّادون؟

الاثنين - 25 شهر رمضان 1438 هـ - 19 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14083]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
ذهب الكاتب البريطاني كيري براون إلى الصين من أجل دراسة اللغة والحياة. وخطر له أن يتعرف إلى أحد من الذين شاركوا في «الثورة الثقافية»، ذلك الفصل الوحشي الرهيب الذي أدّى إلى مقتل مليوني شخص بالعصي، أو بسكاكين المطابخ. لكنه لم يعثر على أحد من المرتكبين. كل الذين قبلوا التحدث إليه كانوا من الضحايا.
أين يتبخّر الجلادون بعد تغير الأنظمة؟ كيف يذوبون؟ كيف يندمجون في حياة ضحاياهم من دون أن يتعرف إليهم أحد؟ هناك معرض في برلين الشرقية للفظائع التي كان يرتكبها رجال «الستاشي»؟ لكن أين هم رجال الستاشي»؟ ماذا حل بهم؟ هل يشاهدون ضحاياهم في الطرقات؟ بعد سقوط النظام الشيوعي بقليل، ظهر مدير الستاشي السابق في نيويورك في مهنته الجديدة: مؤلفاً لكتب الطبخ الألماني.
والأرجح أنه لا يزال هناك. وربما انتقل من كتب الطبخ إلى كتب الحدائق أو البحيرات. عدتُ إلى قراءة كتاب «أرخبيل الغولاق» لإلكسندر سولجنتسين، ليس من أجل الاطلاع من جديد على ماذا كان يحدث في معسكرات الاعتقال السوفياتية، وإنما كمحاولة لإلقاء نظرة أدبية جديدة على قيمة الأعمال التي تركها. ويجب الإقرار بأننا لم نقرأ سولجنتسين جيداً في أيامه. كانت الدعاية السوفياتية الطاغية قد شوهت فينا أي موقف أدبي موضوعي من أعماله. ولم يعد ممكناً أن ننظر إليه إلا كجزء من عملية إمبريالية واسعة ضد نضارة العهد الستاليني وسماحه.
أريد الاعتراف بأكثر: في السبعينات، كان معيباً أن تُشاهَد في بيروت ومعك كتاب للرجل. وقد رويت غير مرة هنا، كيف، خلال غداء أقامه له غسان تويني في «النهار»، ضحك السفير السوفياتي ألكسندر سولداتوف تحت أنيابه، عندما سأله أنسي الحاج رأيه في سولجنتسين، وقال إنه يعالج في مصح عقلي. وضحكنا جميعاً للنكتة القبوية (من قبو)، وكنا جميعاً منافقين. ففي دواخلنا كنا ندرك، جميعاً أيضاً، بأن القيم البشرية التي يمثلها سولجنتسين، لا تسمح باستمرار العالم الذي يمثله سولداتوف.
في أي حال عدت إلى قراءة «الغولاق» الذي بيعت منه آنذاك، ملايين النسخ. ورأيت أنني غير قادر على قراءة متتابعة، فانتقلت إلى قراءة عشوائية. ثم اكتشفت أنني غير قادر حتى على القراءة العشوائية عن عمليات تعذيب حدثت في روسيا أوائل القرن الماضي. آخر ما تحملت قراءته أن محقق السجن كان يقدم لاثني عشر رجلاً وجبة من أشهى أنواع الطعام هي الوجبة نفسها التي تقدم إلى رئيس السجن. الوجبة نفسها، مقسمة على 12 جائعاً. أين يتبخر الجلادون.

التعليقات

ياسر عبدالله / محامي
البلد: 
الأردن
19/06/2017 - 00:29

فقط يغيّر ون جلودهم ويلبسون فوقها أية عباءة رائجة في المجتمع ، جلاوزةصدام وأركان نظامه صاروا شيوخا ، بل وشيوخ المجاهدين ، وغدا إذا هدأت الأوضاع السورية ستجد ملايين الجلادين من كل اطراف الأزمة ، دعاة محبة وحمائم سلام ،إذا لم يتيسر لهم مفترق طائفي أو ساحة جهاد .

خزرجى برعى ابشر
البلد: 
المملكة العربية السعودية
19/06/2017 - 04:53

اه والف مليون اه ونحن نستعرض سجل الجلادين الذين بكل جرأة يعيشون بيننا يقهقهون باعلى اصواتهم وسط معذيبهم الاحياء الرسول صلى عليه وسلم فى ليلة الاسراء رأى اناس يجلدون بسياط من جهنم فسأل جبريل من هولاء ؟ فرد عليه هولاء الذين يعذبون الناس فى الدنيا ليت العذاب لهولاء الجلادين توقف على التعذيب الجسدى فقط بل العذاب النفسى لاسرهم فى احدى الدول العربية وما ابتلىت به الامة من حكام عسكريين جاء رحال امن ذلك الحاكم الى منزل احدهم وقرعوا الباب فقال لصاحب الدار تفضلوا واكرم وفادتهم ثم قال لهم اى خدمة ؟ فاجبوا نريد فلان الفلانى وتبين انه شقيق صاحب المنزل فأخذهم الى المقابر هذا هو فلان والذى توفى قبل ثلاثةسنوات اه

راكان اليامي
البلد: 
نجران
19/06/2017 - 05:27

الله يعطيك العافيه استاذ سمير. تتحفنا وتثقفنا نحن قراءك بشخصيات وقصص واماكن نجلها. دائما اضطر لفتح العم قوقل عند قراءة مقالاتك.

نجاة
البلد: 
لبنان
19/06/2017 - 07:26

سمير عطالله.. احب مقالاتك كثيرا واغار منك اكثر! اغار من موسوعتك الفكريه الادبيه والتاريخيه.. اغار من تهذيبك في ابداء رأيا ان لم يستسغه معارض، صمت احتراما، اغار من اسلوبك في كتابه تعدو كالموج الرقيق في يوم نسيم ارق... الحسن حلفت بيوسفه؟! اجل هذا انت .. والكتابه...

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق / بغداد
19/06/2017 - 09:59

قلت ما في قلبي... حقا اني اغار من موسوعة الاستاذ سمير الثقافية...
حفظك الله وأمثالك من كنوز امتنا

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
19/06/2017 - 19:48

استاذ سمير من قديم قال صموئيل لويس : الارواح الشريرة _ وبالطبع منها الجلادون _ ليست تلك التي تقبع في الجحيم بل هي التي انطلقت من القاع لكي تعيش بيننا . الجلادون بكل أسف عميق يتبخترون امام أعيننا واحيانأ كثيرة فوق المنصات الرسمية خصوصا ّ أو حصراّ في دول العالم الثالث ، الفارق المهم بينهم وبين الاسوياء من البشر مخفي لا يظهر الا في الاقبية وغرف التعذيب حيث ينقلب الجلاد الى متوحش ضاري يتلذذ وفق مزاجة السادي بأنين ضحاياة انهم يعيشون بيننا لا نهم يملكون نفس القلوب التي نملكها ونفس سمات البشر الجسدية غير انهم لا يملكون المشاعر الانسانية والعواطف النبيلة التي تميز البشر عن سائر المخلوقات ، هم ببساطة باعوا ضمائرهم وانسانيتهم للدكتاتور بثمن بخس دراهم معدودة او مناصب زائفة لكي ينعم الدكتاتور بالغنيمة الباردة الجلاد في الحقيقة شخص أحط

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
19/06/2017 - 19:50

أحط من الحيوان المفترس الذي يعيش وفق غريزتة التي فطرة الله عليها وهو ايضاّ أقسى من الالات التي يستخدمها في تعذيب ضحاياة لانها اي الالات صماء لا قلب لها نابض ولا ضمير رادع لقد نجح الدكتاتور في اصطناعهم وتحويلهم الى كائنات مسخ لا تجدي معهم موعظة ولا يحرك قلوبهم الانين وقد تعظم احياناّ خسائر البشرية عندما تكون ضحايا هؤلاء الجلادين شجعان الفكر والارادة والانسانية امثال سولجنستين وغيرة

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر