كهف الجماعة

كهف الجماعة

الأربعاء - 20 شهر رمضان 1438 هـ - 14 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14078]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

أنت وأنا ننظر إلى واقعة واحدة، فأرى شيئاً وترى شيئاً آخر. أنا وأنت لا نرى الواقعة كما هي، بل نرى صورتها التي في أذهاننا. لا يختلف الناس في حكمهم على الأشياء لأنهم يجهلون الحقائق، بل لأنهم يرونها على صور متباينة. قدم الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر صياغة مبسطة لهذا المفهوم، فقال إن كل فهم جديد مشروط بالفهم السابق. ولا فهم من دون فهم مسبق. لهذا السبب على الأرجح رأى توماس كون، المفكر الأميركي المعاصر، أن ما يكتشفه البشر في مراحل العلم العادي ليس سوى إعادة ترتيب لما يعرفونه سلفاً.
قبل ذلك بزمن طويل، رأى أفلاطون أن عامة الناس سجناء للذاكرة الفردية أو الجمعية التي تحدد رؤيتهم للعالم. تخيل أفلاطون كهفاً يتسلل إليه بصيص ضوء، فتنعكس على جدرانه ظلال من حركة الحياة في خارجه، فيتخيل أهل الكهف أنهم يرون الحياة بذاتها. لكنهم في حقيقة الأمر لا يرون غير ظلالها. قلة قليلة ممن يملكون البصيرة أو يتحلون بالشجاعة، يتمردون على كهف الذاكرة فيخرجون إلى النور، فيرون العالم كما هو، ويرون الحياة كما هي. وحين يصفونها لأهل الكهف فإن قليلاً منهم سيجرأون على تقبل فكرة أن هناك، خارج جدران الكهف، عالماً ينبض بالحياة أو يتحرك في اتجاه مختلف عما تخيلوه طوال حياتهم.
أعاد فرانسيس بيكون شرح الفكرة في نظريته الشهيرة عن أصنام العقل الأربعة، أي منظومات الأوهام الساكنة والنشطة التي تتحكم في رؤية العقل للحقائق، وبينها أصنام الكهف.
أصنام الكهف أو كهف الذاكرة تنطبق بصورة بينة على المسار الاجتماعي الذي نسميه التمذهب. نحن ننظر إلى معتقداتنا فنراها صحيحة دائماً. بينما ينظر إليها أتباع مذهب مختلف، فيرونها خاطئة دائماً. نأتي بالأدلة والشواهد، فيأتون بأدلة وشواهد مقابلة. وفي نهاية النقاش، يزداد الطرفان قناعة بما كانوا عليه أصلاً. وكأن النقاشات كلها حوار بين طرشان أو مجرد نفخ في الهواء.
ليس بين الطرفين جاهل أو قليل العلم، وليس بينهما من لا يفهم الأدلة أو طرق الاستدلال. المسألة وما فيها أنهم يفكرون في قضايا تتحد في الأسماء، وقد تتحد في الجوهر، لكنهم لا يهتمون بجوهر الأشياء ولا بأسمائها، بل يهتمون بالمعاني المتولدة من تلك الأشياء.
معنى الشيء هو الصلة التي تربط بينه وبين الناس. ولا قيمة لأي شيء ما لم تتحدد علاقته بالأشخاص الذين يتداولونه. جرّب أن تعرض على طفل خمسمائة ريال أو لعبة بعشرة ريالات، فما الذي سيختار؟ المؤكد أنه سيختار اللعبة، لأنها تعني له شيئاً. أما الخمسمائة ريال فليست - بالنسبة إليه - سوى ورقة.
أتباع الأديان والمذاهب وأعضاء الجماعات السياسية، بل كل الناس على وجه التقريب، لا يجادلون قناعاتهم الأساسية، ولا يتخلون عن مسلماتهم، حتى لو رآها الآخرون غير معقولة. لأنها ليست عناصر هائمة في الفضاء، بل هي أجزاء متناغمة ملتحمة في صورة كاملة مستقرة في ذاكرتهم، تشكل كهفهم الخاص، أي عالمهم الحقيقي، الذي قد يماثل عالم الناس أو يختلف عنه، لكنهم يعرفون أنفسهم والعالم على هذا النحو.
هل يستطيع أحد البرهنة على أن عالمك أكثر معقولية من عالمي، أو أن كهفك أوسع من كهفي؟ ربما. لكننا نتحدث في نهاية المطاف عن كهف، واسعاً كان أو ضيقاً.


التعليقات

محمد الشهري
البلد: 
السعوديه
14/06/2017 - 02:22

مقال رائع وتوصيف لواقع مرير...اعجبني الدكتور صالح ابن حميد امام الحرم في محاضره عن التعايش مع غير المسلمين بالود والرحمه واﻻمان لهم في وطننا فسأل احدهم واهل البدع قال اذا كانت هذه حقوق غير المسلم فكيف بالمسلم اولى...ونبذ الطائفيه وقال سياتي على ذلك في دروس قادمه من دروسه بعد الفجر يوميا في الحرم .

عبد الدائم
البلد: 
الجزائر
14/06/2017 - 05:00

مقال ينطوي على الكثير من الحقائق، والواقع الذي نسعى بشكل غير إرادي إلى الهروب منه، وتلافيه .. إدراك حقائق الأشياء يتطلب التجرد .. والإنعتاق من أسر الأفكار المسبقة، والراسب الذهني المهيمن ..
أوافق صاحب المقال كثيرا في ما بثه هنا ... شكرا

نور الزمان
البلد: 
الهند
14/06/2017 - 05:54

مقالك رائع جدا يا دكتور سيف حفظك الله مبنى على التفكير العميق إزاء الحياة وما يجري فيها ولذلك نرى القرآن الكريم لم يدع أهل الكتاب على اللسان النبوي إلى الاتحاد الشامل كمايحدث في المجتمع المعاصر بين الأديان والثقافات وبين الحركات والحكومات. بل دعاهم إلى حقائق مشتركة قابلة للتطبيق والتنفيذ بقوله "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الخ"

عبدالباري
البلد: 
القطيف السعودية
14/06/2017 - 11:45

اقترح على الدكتور بعد هذا المقال الجميل ان يكتب كيف ينعتق الانسان من الافكار المسبقة والرواسب الذهنية؟ فهي خدمة للجيل الجديد
شكرا ابا مجتبى

رائد العبيدي
البلد: 
جوار سيد الخلق
14/06/2017 - 12:17

كل واحد منا له سجنه الخاص. ومكبل بقيد الجماعة والمذهب.ومن يتمرد سوف يجلد بسوط الجماعة.مقال رائع ولكن بسبب نفس فكرة المقال لن يقرءه الكثيرون.

Abdulrahim
البلد: 
Philippine
14/06/2017 - 13:27

تكلمت في مقالك بإيحاء بأنك خارج الكهف -لذلك تشير الى حالة أهل الكهف الذين لم يختاروا دخول الكهف بمحض ارادتهم - لأنه لا يوجد انسان يعرف الفرق بين الكهف وخارجه ثم يتمسك بمعطيات ما بداخل الكهف؟ نعم هناك كهوف مختلفة في الحياة .. فأي الكهوف أقل ضرراً وأقل وحشية الحياة فيه- نشكرك دكتورنا العريز على مبادراتك الجريئة بإسلوب المحب!

سامي جواد كاظم
البلد: 
العراق
15/06/2017 - 00:14

مقال موفق وتشخيص للهقول ضيقة التفكير ولكن هنالك من العقول المتفتحة التي تجعل من يحاول النيل من الفكر الاسلامي في دائرة ضيقة فتراه يتهجم على المسلمين بانهم اصحاب عقول متحجرة النظر الى الافق الواسع مطلوب ولكن وفق ثوابت متفق عليها اصلا

منى ال جارالله
15/06/2017 - 02:34

لكل شخص الموروث الخاص به ، وننطلق بالقاعدة التشريعية لاضرر ولا ضرار وقتها سنكون بخير

عبدالله الجميل
البلد: 
المملكة العربية السعودية
15/06/2017 - 09:28

هذا المضمون يجب أن يحتضنه المنهج المدرسي، ويوعى به بعض الدعاة وطلبة العلم وخاصة المتشددين من جميع ألوان الطيف الاجتماعي الذين دأبوا على تفسيق وتبديع بل وتكفير من أتى بخلاف ما لقنوا اياه منذ نعومة أظفارهم، وكأنهم يملكون الحقيقة المطلقة، وكل من سواهم في ضلال مبين، فيطيعون هوى أنفسهم، ويعصون أمر ربهم، المتمثل في قوله تعالى ( أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن)، وأمره تعالى بالتعاون على البر والتقوى، ومقاومة دواعي الفرقة والتنازع المفضي الى الفشل (ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فهم بذلك التنازع يحققون لعدوهم الخارجي مبتغاه، وكل منهم فيما بعد يتهم الآخر بأنه هو المتإمر مع ذلك العدو الخارجي، ويظلون يدورون في حلقة مفرغة من سوء الظنون وأوهام التآمر. شكرا لكاتب هذا المقال على سعة أفقه وحسن طرحه.

عبدالله سليي
15/06/2017 - 17:57

مقال اكثر من رائع...
لاننسا الخوف .فالخوف هو من اكبر المتحكمين في عقول البشر ولذلك تجد اغلبنا (ان لم يكن جميعنا) يبحث عن من يوجهه ويعلمه ما يجب وما لايجب عليه فعله او التفكير فيه بدلا من ان يقوم بذلك بنفسه.. وهذا من اهم الاسباب التي تجعلنا متمسكين بكهوفنا.

Mohammd
البلد: 
السعودية
16/06/2017 - 04:12

انا اشوف وجود هذا الكهف ضروري لستقرار الشخص لكن كما قلت ضيقه هي المشكله

عادل
البلد: 
القطيف
16/06/2017 - 20:00

مشكلتنا هي الأحكام المسبقة على الكاتب والاعلامي اوغيره فإذا لم يتوافق فكره اومذهبه اوقبيلته معي فهو اما على خطأ أو يقول مالا يفعل وهذه المشكلة ، يجب ان نسمع وننصت الى الاخر فربما نغير ما بداخلنا ازاء فكرة معينة او معتقد معين فا لتغيير والتطوير من سَنن الحياة فالذي لا يتغير هو الجماد اوالحيوان.

Mohamed Said
البلد: 
ُمصر
17/06/2017 - 12:19

جرب ان تعطي طفلا 500 ريالا او لعبة ب 10 ريالات وجرب ماذا سيختار ومن المؤكد انه سوف يختار اللعبة لانه طفل لا يعرف الفارق بين 500 ريال و10 ريال....
ولكن جرب ان تعطها لناضج العقل قمن المؤكد انه سوف يختار ال 500 ريال

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة