سفراء الظلام

سفراء الظلام

الاثنين - 11 شهر رمضان 1438 هـ - 05 يونيو 2017 مـ رقم العدد [14069]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
كنت أنوي الكتابة عن 5 يونيو (حزيران) 1967. عن نصف قرن شهد انزلاقنا من النكسة إلى النكبة الكبرى التي نسبح فيها الآن. نكبة أشد هولاً من تلك التي أصابتنا بفعل اغتصاب فلسطين. كنت أنوي الكتابة عما فعله «القادة التاريخيون» تحت لافتة الوحدة العربية وتحرير فلسطين. وكيف انتهت مغامراتهم بتبديد دول وشعوب وثروات. وكيف اغتالوا كل فكرة واعدة وكل نافذة وتركوا الناس عراة أمام المتعصبين الحالمين بإعادة الأمة إلى كهوف التاريخ.
كنت أنوي الكتابة عن وهم الزعامة العابرة للحدود ونهايته الباهظة. وكيف ساهم المستبدون في كشف هشاشة بلدانهم. وكيف تهاوت جمهوريات الخوف أمام الرياح. ووحشية الأنظمة التي قامرت بالأرض ومن عليها. وعن الملايين الموزعين في مخيمات اللجوء وأطفالهم الجائعين على رغم حلول موعد الإفطار. وعن السجناء الذين تعفنوا في الزنزانات. وعن المحققين الذين يتسلون بمصادرة أسنان المواطنين وأصابعهم. وعن محارق الجثث وتذويب الجيوش لمصلحة الميليشيات.
وقلت أستأنس بآراء ثلاثة من الأصدقاء حول بصمات النكسة في تجاربهم. قال صديقي الليبي إن الحاضر أخطر بكثير من الماضي. وإن الصغار الذين شهدوا مسلسل الحروب الأهلية التي فجرها «الربيع العربي» سيتحولون قنابل موقوتة في الجسد العربي. وإن خيبة العربي العاقل والمعتدل اليوم تفوق بأضعاف خيبة من اكتشفوا قبل نصف قرن أن مجريات الحرب تناقض ما بثته إذاعة «صوت العرب» وما رواه مذيعها الشهير أحمد سعيد.
قال الصديق العراقي إنه أصيب بإحساس عميق بالحزن والخسارة وعدم التصديق المشوب بالوهم. وإن شعوراً بالتحدي رافق تلك المشاعر، مما دفعه إلى الاندفاع إلى الشارع للمشاركة في التظاهرات على رغم كونه متوارياً منذ فراره من السجن. وتحدث عن دور «البعث» في اضطهاد كل رأي آخر وعن المذابح والاعتقالات وهجرة الكفاءات.
أما الصديق السوري فقد كان مقتضباً. قال إن أوجاع نكسة 1967 أقل بكثير من أهوال النكبة الحالية.
وقلت أكتب صباح الأحد عن النكسة التي تحولت نكبة. تغيرت الحسابات. حين تسقط لندن في الطقس الجميل يتضاعف سحرها ويرتدي ليلها غلالة لا تبارى. هكذا غادرت المكتب ليل السبت - الأحد إلى قلب المدينة علّني أسرق شيئاً من الليل الربيعي الذي يتسم بزيارات قصيرة وسريعة.
كان واضحاً أن الناس يحتفلون بالطقس الجميل. هذه عادات المدن الطبيعية التي ودعت أمراض الحروب الأهلية وباتت تعبر عن رضاها أو غضبها عبر صناديق الاقتراع، وهي ستفتح الخميس المقبل. فجأة بعد العاشرة دوت في الشوارع أصوات سيارات الشرطة وسيارات الإسعاف. وبعد حفنة دقائق تأكد أن المدينة مستهدفة من قبل ذئب متوحد أو حفنة من الذئاب. وانتشرت على الوجوه ملامح صدمة عميقة، ذلك أن دماء ضحايا التفجير الإرهابي في مانشستر لم تجفَّ بعد.
حين نقلت الهواتف أخبار الدهس والطعن، بدأ رواد المطعم في اختصار إقامتهم. راودني أنا العربي شعور غريب بالذنب. كلما وقع حادث من هذه القماشة نتمنى في البداية ألا يكون المنفذ عربياً أو مسلماً. لكن الوقائع غالباً ما تسفه تمنياتنا ذلك أن هذه الممارسات الفظة صارت حكراً على العالم الذي ننتمي إليه.
راودتني في الحقيقة رغبة في الاعتذار. لنترك المجاملات جانباً. هذه البلدان الأوروبية التي استقبلت ملايين العرب والمسلمين الهاربين من الظلم أو الفقر أو اليأس كانت في الحقيقة أرحم من بلداننا. سعت إلى إدماج الوافدين في مجتمعاتها واقتصاداتها لكنها سلمت لهم أصلاً بحق الاختلاف واحترمت معتقداتهم. أعطت هذه البلدان للوافدين مساعدات من جيب دافع الضرائب ومنحت أولادهم فرصة الحصول على تعليم عصري. أقول ذلك لأنني رافقت من قرب كيف انهمكت ألمانيا باستقبال اللاجئين السوريين الذين أعرب واحد منهم بعد رحلته في «قوارب الموت» عن سعادته بالوصول إلى بلد يعثر فيه على ثلاث وجبات يومياً.
المأساة مروعة فعلاً. تيسر للفكر الظلامي أن يستولي في العقود الماضية على عقول وكتب ومنابر. فكر لا يعترف بالآخر المختلف ويصرُّ على مسح ملامح الآخرين أو قتلهم. فكر تستفزه الشوارع المضاءة. والمناسبات الثقافية. وحرية التفكير والإبداع. وحرية البحث العلمي وطرح الأسئلة المعقدة. فكر يعتبر كل مختلف أو مخالف عدواً يستحق الدهس أو الطعن أو الذبح.
وأخطر ما في هذه المأساة هم أولئك الذين يبحثون للمرتكب عن أعذار وتحت ذريعة ما ارتكبته هذه الدولة أو تلك في التاريخ، كأننا نحن لم نرتكب. لم تعد المسألة تحتمل التبرير أو الصمت. الأضرار التي يلحقها الإرهابيون بالغرب أقل بآلاف المرات من الضربات القاتلة التي يوجهونها إلى بلداننا. لهذا على العربي والمسلم أن يحسم أين يقف. من أجل بلاده ومن أجل أحفاده. المعركة الشاملة ضد التطرف يجب أن تكون البند الأول في كل عاصمة عربية أو إسلامية. من دون كسب هذه المعركة سنتابع انحدارنا نحو الجحيم. لا يحق لنا أن نعاقب العالم بهذه الطريقة. إصرار سفراء الظلام على ارتكاباتهم سيلحق عاجلاً أم آجلاً أفدح الأضرار بالجاليات العربية والإسلامية وكذلك بالعالم الذي وفدت منه.

التعليقات

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
04/06/2017 - 23:50

هولاء هم أبناء اليأس والظلام الفكري، هم أبناء أمة تعلق فشلها وخيبتها دوماً على الآخر بيتنا لا تتحمل هي أدنى مسئولية، المشكلة ليست في الزعامات فهي مجرد أحد مشاجب الأمة، المشكلة الحقيقية هي في قدر العفونة الفكرية التي تملأ رؤوس أبنائها، المشهد واضح، هم يقتلون بعضهم البعض ويشردون بعضهم بعضاً وفي النهاية بحث عن مشاجب جديدة.

بيسان
البلد: 
الرياض
05/06/2017 - 03:26

انهم سفراء ظلام وانت سفير فجرٍ وأمل.. كلماتك بلسم لن يشفي جراحهم لكنها تربت على خيباتنا واحساسنا المتواري بالذنب كما قلت

احمد العيثاوي
البلد: 
العراق
05/06/2017 - 08:02

عبرت عن ما اشعر به استاذ غسان...
تقديري واحترامي الكبير

مثنى
البلد: 
سورية
05/06/2017 - 08:07

لماذا توجه المهاجرون الجدد والقدامى الى بلدان مثل بريطانيا , أليس بسبب الديكتاتوريات المافيوية التي دعمتها البلدان " السعيدة والمستهدفة " ؟ , ماي تقول أن التسامح مع الارهاب انتهى , هل يجوز التسامح مع الارهاب طالما يفتك بالشعوب المسكينة ... أين أرصدة ونتاج عرق وخيرات الشعوب الفقيرة ؟ أليست في بنوك بريطانيا وفي مخزون محتويات برج لندن من الجواهر .. الارهاب الذي يضربنا في بيوتنا ينعم باحتضانهم ورعايتهم طالما استهدفنا نحن , ولأمر ما " والانكليز سادة التآمر والشر " تتم هذه العمليات عندهم , نعم لأمرٍ ما ! , بضاعتهم ردت اليهم !

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
05/06/2017 - 10:52

نحن بحاجة ماسة الي من يكتب عن 5 يونيو ( حزيران ) 2017,لأن الحاضر أهم من الماضي يا أستاذ غسان بكل إحترامي وتقدير لأحداث 5 يونيو 1967.وأختم تعليقي بكلمة أنطوان سعادة :يجب أن أنسي جراح نفسي النازفة لأضمد جراح أمتي البالغة وشكرا

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
05/06/2017 - 10:53

من أرسل سفراء الظلام إلى أوربا ؟ هل تذكر أستاذنا الفاضل مفتي النظام الأسدي الإرهابي الذي قال سنرسل آلاف الإنتحاريين إلى أوربا ؟ لماذا لم تتعامل أوربا والغرب بمحمل الجد عن هذا التصريح الخطير الإرهابي الذي هدد فيه مفتي النظام الأسدي وقتئذن أوربا بمحوها من على الخارطة ؟ مفتي النظام الأسدي الإرهابي لم يقل ذلك من عنده بل هو مجرد بوق لمخابرات أسدية كانت تدرب وتجهز آلاف الإنتحاريين في سجونها وغسل أدمغتهم داخل المعتقلات من أجل إطلاق سراحهم وإرسالهم إلى الأمكان التي يرد النظام الأسدي التفجير فيها نتيجة مواقف وحسب مواقف الدول الأوربية من نظامه الإرهابي ،فهذه التفجيرات الإرهابية المدانة بكل المعايير يجب ان يحاسب عليها أنظمة مارقة إرهابية ما تزال تصدر الموت والإرهاب والقتل ليس لدولها بل لدول العالم أجمع ، فهل يعمل الغرب على إقتلاع الإرهاب من أصله .

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
05/06/2017 - 12:12

كان يمكن ان تنهار مصر بعدهزيمة 1967 ،ولكنها كانت بداية لانهيارات لاحقة من اقتتال في احراش جرش ، إلى اقتتال في لبنان ، إلى احتلال إسرائيل لأجزاء من لبنان ، إلى حرب عراقية - ايرانية ، عبثية راح ضحيتها ما يقارب المليونين من الطرفين ، إلى احتلال العراق للكويت التي استنزفت الأرواح والأموال ، إلى احتلال امريكا للعراق ، وإلى تمزيق ليبيا وتحويلها إلى دولة فاشلة ثم تعثر ثورتي الربيع في كل من مصر وتونس وتداخل ضمن هذه الأحداث المؤلمة حرب دخلت عامها السابع في سوريا ، فقتلت وشردت وأفقرت شعبا كان آمنا وأصبح فيها عشرات المنظمات المتطرفة من عشرات الدول ، واضحى الشعب السوري بين المطرقة والسندان فالكل متطرفابتداءمن السلطة مرورا بكل المنظمات ، وافل نجم المعارضة والرجال الشرفاء وانتشر الإرهاب في العالم

عبد الرحمن مظهر الهلوش
البلد: 
سوريا
05/06/2017 - 14:51

الأستاذ غسان تحياتي... ما يجري في البلدان الاوربية, مخطط له عبر وكالات مخابرات تلك البلدان, اليوم العرب انتهوا الى الابد, في السنة المقبلة وفي هذا التاريخ لن تكتب عن النكسات والنكبات والانهيارات لأن كل شيء قد انتهى.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة