حُريةُ الصَحافةِ في القَفَص

حُريةُ الصَحافةِ في القَفَص

الأحد - 11 رجب 1435 هـ - 11 مايو 2014 مـ رقم العدد [12948]
د. أحمد عبد الملك
كاتب واكاديمي قطري

حسب تقرير منظمة (فريدوم هاوس) غير الحكومية، فإن حرية الصحافة قد تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ عقد من الزمان! وعزتْ المنظمة سبب ذلك التراجع إلى حالات القمع في بلدان مثل تركيا وأوكرانيا وغيرهما، وإصرار الولايات المتحدة على وقف نشر مسائل تتعلق بالأمن القومي. وأظهرت المنظمة أن 14 في المائة من سكان الأرض تصلهم ويصلون إلى صحافة حرة، وهو ما يعادل شخصاً واحداً من أصل سبعة أشخاص. وأفادت المنظمة أن 44 في المائة من سكان العالم يعيشون في أماكن لا تتمتع فيها الصحافة بالحرية، وأن 42 في المائة من الأماكن تعاني من حرية «مجتزأة» أي حرية (داخل الأقفاص)! ولقد حلّت هولندا والنرويج والسويد في أعلى المراتب المتعلقة بحرية الإعلام، بينما احتلت كوريا الشمالية وتركمانستان وأوزبكستان آخر القائمة. ولقد عبّر التقرير عن القلق من استخدام التقنية من قِبل الحكومات لمراقبة المضمون الإلكتروني وأنشطة الصحافيين، بحيث أصبحت تلك الدول أكثر «نهماً» لفرض رقابة على المضمون الإلكتروني.
ولقد جرى اختيار الثالث من مايو (أيار) من كل عام لإحياء ذكرى اعتماد (إعلان ويندهوك) خلال اجتماع الصحافيين الأفارقة نظمته (اليونسكو) في ناميبيا في 3 مايو 1991. وينصُّ الإعلان الذي صدر عن ذلك الاجتماع على «أنه لا يمكن تحقيق حرية الصحافة، إلا من خلال ضمنان بيئة إعلامية حرة ومستقلة وقائمة على التعددية، وهذا شرط مسبّق لضمان أمن الصحافيين أثناء تأديتهم لمهامهم، ولكفالة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقاً سريعاً ودقيقاً»، وحسب البيان فإن يوم 3 مايو يمثل فرصة لـ:
1 - الاحتفاء بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة.
2 - تقييم حال حرية الصحافة في كل أنحاء العالم.
3 - الدفاع عن وسائط الإعلام أمام الهجمات التي تُشّن على حريتها.
4 - الإشادة بالصحافيين الذي فَقدوا أرواحهم أثناء أداء واجبهم.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والسيدة إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو، قد أصدرا بياناً مُشتركاً بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة تحت عنوان: حرية الإعلام لصنع مستقبل أفضل.. وجاء في البيان:
«وحتى حين ننظر إلى فترة ما بعد عام 2015، نرى أنه يجب علينا التصدي للتهديدات الخطيرة الراهنة، التي تواجهها حرية الصحافة في شتى أنحاء العالم. ففي عدد كبير من البلدان، تعترض عقبات دائمة عمل الصحافيين وغيرهم من العاملين في وسائل الإعلام وتعوقهم عن نقل الحقيقة، بدءاً بالخضوع للرقابة والاعتقال والسجن، وانتهاءً بالتعرض للترهيب والاعتداءات وحتى الاغتيالات، وتبين هذه الانتهاكات الفاحشة مدى هشاشة حرية الصحافة وحقوق الإنسان التي تقوم عليها. كما تُبين ضرورة الدفاع عن هذه الحرية بفعالية».
كما ناشد البيان المشترك جميع الدول والمجتمعات والأفراد «الدفاع بفعالية عن حرية التعبير وحرية الصحافة، بوصفهما حقين من الحقوق الأساسية، ومساهمتين جليلتين في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، وفي وضع خطة التنمية لما بعد عام 2015».
وكان عام 2013 من أقسى الأعوام على حرية الصحافة، حيث جرى قتل 70 صحافياً، وحوصر منهم أعداد في علميات إطلاق النار، وعانى 14 صحافياً نفس المصير هذا العام. كما جرى احتجاز 211 صحافياً عام 2013، ومنذ عام 2008 جرى نفي 456 صحافياً، ومنذ عام 1992 جرى نفي أكثر من ألف صحافي (بمعدل شخص واحد في الأسبوع).
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة على أنه «يجب ألا يفلت من العقاب أُولئك الذين يستهدفون الصحافيين بالعنف أو التهديد، أو استخدام الطرق غير المشروعة، بهدف تعطيل أو عرقلة عملهم». كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أهمية الدفاع عن حق مساءلة الحكومات والشركات التجارية .. فيما يتعلق بعرقلة حرية التعبير.
ومع كل التقدير للكلمات الطيبة للمسؤولين الدوليين، وكذلك المتخصصين في الإعلام، إلا أن واقع هذا الإعلام ما زال في خطر، وأن حرية التعبير، وإن نصّت عليها القوانين المحلية أو الدولية، إلا أنها ما زالت «داخل القفص»، وأنها تحت رحمة مالكي وسائل الإعلام، سواء كانوا حكومات أو رجال أعمال. كما أن الأوضاع السياسية – خصوصاً في العالم العربي هذه الأيام – تلعب دوراً مهماً في «ترجمة تمنيات» حرية التعبير، وحسب المزاج الرسمي، أو حسب اتجاه بوصلة (الإعلان) في الإعلام الأهلي.
إن مشكلة الإعلام في البلاد العربية أنه محكوم بنماذج «ثيوقراطية» و«تراثية» و«كهنوت سياسي» عتيد، كما أنه لا يُدار في الأغلب حسب المهنية المُتعارف عليها دولياً، بل بحسب الجغرافيا والتاريخ و«متوارثات» الحديث الاجتماعي، ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة إن شهدنا بأن أوضح صور حرية التعبير لا تُرى في البلدان الأكثر حديثاً عن حرية التعبير، ذلك أن «الغش الإعلامي» أصبح ظاهرة عربية، تماماً كما هو الغش السياسي والغش الاقتصادي والغش الاجتماعي.
وهنالك أنظمة «تتحسّسُ» من ذِكر كلمة (حرية) ولكأنها «تُقوِّضُ» أركان الحكم، أو تبثَ «السُمَّ» داخل الجماجم التي يريدونها تحفظ - فقط - أشعار المتنبي في سيف الدولة، والمقامات، ورواية (داحس والغبراء)!؟
* كاتب و أكاديمي قطري


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو