عش الواقع. كن واقعياً. كفاك أحلاماً. الواقع هو الأمر الحقيقي الوحيد. الواقع هو ما تملكه. الحلم هو ما تحلم بامتلاكه لكنك لن تملكه.
هكذا يؤمن الكثير ويكرر. فريق كبير من الناس يخبروننا أن الواقع هو الحياة. الحلم هو شيء زائد لا أهمية له.
لكن هذا هو عين الخطأ تحديداً.
لأنه لو لم يحلم الإنسان بالشفاء لما اخترع الدواء. لو لم يحلم بالاستقرار لما تزوّج. لو لم يحلم بالطيران لبقي على الأرض. لو لم يتمتم لما غنّى، ولو لم يتخيل نفسه رساماً أو ممثلاً أو موسيقياً لما ابتدع الفن وأصبح فناناً.
الحلم ضروري وليس صحيحاً أنه مضيعة للوقت، لكن دعونا نتفق على أي حلم نتحدث عنه.
إنه الحلم الذي يتمتع بالخصال التالية:
* يعبر عن حبك الكامن عميقاً في ذاتك لأن تمارس هواية تحبها ولم تحترفها حتى الآن.
* الحلم الذي يتراءى لك وأنت سعيد ومتفائل أو الذي تعلم أنه سينعشك ويجعلك سعيداً.
* الحلم الذي يراودك وأنت تعلم المصاعب ولا تخشاها.
* الحلم الذي تريد أن تبني له وإليه وعليه.
* الحلم الذي يعكس إيمانك بأنك مطالب في هذه الحياة أن تملأ بعض ساعاتك، على الأقل، بما ليست له علاقة بمادياتها أو مستحقاتها.
ليس حلماً أن تفكر بمصاعب الحياة. هذه حقيقية. كثير منها مفروض لأسباب تتعدى قدرتك على التعامل معها. أسبابها متعددة تخرج عن قدرتك على حلها. تكمن في شبكة من المؤسسات القائمة التي تنظر إليك رقماً ينتج رقماً. تلك المؤسسات الكبيرة التي صنعت لنا عالماً من التكنولوجيا وحشدتنا فيه.
تيلدا سوانتون، الممثلة البريطانية التي قابلتها أخيراً، قالت بعد الحديث شيئاً مهماً: «كيف وصلنا إلى هنا؟ لماذا نجد أنفسنا بلا روح؟ بلا أحلام. مجرد كائنات تتحرك من دون دوافع مفيدة لنا؟».
أردت أن أقول لها إن هذا وقع في غفلة منا من قِبل أناس لا يحلمون بل يحيون فقط. لكني احترمت رغبتها في أن تعبر عما تريد.
الحلم يؤدي إلى الإبداع. الواقع إلى الإحباط. طبعاً نحن أهل الوسط، لذلك علينا أن نحذر الأحلام التي من نوع «يا ليتني فراشة» أو «لو أني أستطيع أن أتحول إلى شخص لا يُرى». وعلينا في المقابل أن نحذر الواقع الذي يريد تحويلك من إنسان إلى زبون. يريدك أن تؤمن بأن غناء هذه الأيام هو طرب. أفلام اليوم كلاسيكيات. أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، وأن عليك أن تعيش ضمن منظومة متفق عليها يسمونها «الموضة». أن تتحرك. تمشي. تتمايل. تتحدث. تشعر تماماً كما هو سائد حولك.
لقد أثبتت دراسات نفسية أميركية أن الحالمين هم أسعد من الواقعيين. وأنه في غياب الحلم الجميل نصبح أقل قدرة على اختيار ما هو الأنسب لنا. نذهب إلى ما لا فائدة منه ونتوهم أنه مفيد لنا. ويصيبنا، بالتالي، شعور يتحول إلى قناعة بأن الحق على الحلم، بينما الحق علينا لأننا لم نعرف كيف نحلم. حوّلنا الحلم إلى وهم فعدنا لقبول الواقع كما هو.
11:8 دقيقه
TT
أحلام النهار
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
