سؤال عن معنى السعادة!

سؤال عن معنى السعادة!

الخميس - 14 شعبان 1438 هـ - 11 مايو 2017 مـ رقم العدد [14044]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري

سألت الأستاذة منى المري، الأمينة العامة لجائزة الصحافة العربية، عمّا إذا كان لديها تعريف محدد للسعادة، بحيث يكون تعريفا جامعا مانعا، على نحو ما قرأنا عن المعاني قديما، عند فلاسفة اليونان!
وكان للسؤال من جانبي سببان، أولهما أنهم في دبي، كإمارة، وفي الإمارات العربية، كدولة، يؤسسون للسعادة كفكرة، عند تقديم الخدمات العامة للمواطنين، إلى حد استحداث وزارة للسعادة هناك، هي الأولى، بل الوحيدة من نوعها في عالمنا العربي!
والسبب الثاني أن السعادة نسبية بطبيعتها، فليس كل ما يسعدك يسعدني، والعكس يبقى صحيحا على طول الخط وعرضه، ثم على اختلاف وتنوع الأسباب المؤدية إلى سعادة الإنسان في حياته!
هي أجابت عن السؤال فقالت إن السعادة لا تتحقق لصاحبها بالمال الكثير، لأنه ما أكثر الذين يملكون منه أكداسا، ثم لا يجدون سعادتهم متحققة في أيامهم، ويظل الواحد منهم يفتش عنها دون جدوى في الغالب، ولذلك، فليس لهذا من معنى إلا أن السعادة في النهاية هي حالة من الرضا عما تفعله، وعما تراه، فإذا ما صادفت أنت هذه الحالة في حياتك، فأنت بالقطع سعيد، مهما كان حجم المال في جيبك، ومهما زاد، أو نقص!
كنت أسأل عن معنى السعادة، وفي ذهني حالة الجندي المصري، الذي استشهد وقت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ولم يعثر أحد له على أثر في حينها، إلى أن كان عُمال الطرق يشقون طريقا في وسط سيناء قبل أسبوعين من الآن، فعثروا على رُفاته ومعه بقاياه، وكانت بقاياه على النحو الآتي: بطاقة شخصية مُدون فيها اسمه، وتاريخ ميلاده في 1942، ومحل إقامته في الفيوم جنوب غربي القاهرة، ثم خطاب استدعاء إلى الجيش ذهب بموجبه ليؤدي خدمته العسكرية على الجبهة... ومع البطاقة والخطاب كان يحمل لحظة استشهاده، وعدد خزنتي سلاح!
لم يكن هذا كله في الحقيقة هو الذي استوقفني في حالة الجندي عبد الحميد محمد عبد الحميد، لأن العثور على البطاقة الشخصية، وخطاب الاستدعاء، وخزنتي السلاح، أمر متوقع تماما مع عبد الحميد، ومع غير عبد الحميد، من سائر رفاقه الذين استشهدوا معه، إذ لا يحمل الجندي المقاتل متعلقات شخصية تختلف عن متعلقات عبد الحميد هذه، في كل الأحوال!
استوقفني أنهم عثروا في جيبه على خمسة وثلاثين قرشا، كانت هي كل ما معه وقت سقوطه شهيدا، وبالأدق كانت هي كل ثروته، ولمن لا يعرف، فإن هذا المبلغ يساوي واحدا على ستين من الدولار الواحد!... احسبها أنت بالورقة والقلم، ثم انظر لترى!
رجل هذه هي كل ثروته تقريبا في الحياة، ومع ذلك سارع إلى جبهة الحرب في سيناء، حين تسلم خطاب الاستدعاء، لأن سعادته فيما يمكن قراءته من الواقعة، كانت في أن يُلبي نداء وطنه، لا نداء جماعة ضد وطنه، وكانت في أن يدفع حياته راضيا في الدفاع عن أرض الوطن، ولو كانت سعادته بما في جيبه، أو بحجم ما في جيبه، ما تحرك خطوة واحدة من مكانه، وما صادف في داخله ما يدعوه إلى الاستجابة دون تردد لأمر الاستدعاء الذي وصله وهو لا يزال وقت استدعائه، في الحادية والثلاثين من عمره!
أساس السعادة كمبدأ، إذا ما وجد حكومة تتبناه، وتُنشئ من أجله وزارة تحققه، ليس في أن يكون مواطن هذه الحكومة سعيدا بالمعنى المجرد للسعادة، ولكن أساسها في ربط المواطن بوطنه برباط متين، لا ينال منه شيء، ولا تنال منه جماعات العمل الناشطة ضد الأوطان هذه الأيام!
وإذا ما كان الهدف هو تعميم السعادة، بحيث لا تكون للمواطن وحده، ولكن تشمل المقيم معه، وهو المُعلن في كل مناسبة في الإمارات، ضمنت الدولة ولاءين: ولاء المواطن... ثم ولاء المقيم!
لا تستأجر جماعات العمل ضد الأوطان مواطنين من خارج البلد في سبيل الكيد له، أو السعي للإضرار بمصالحه، وإنما تُزين المسألة لشباب من أبنائه، نشأوا على أرضه، وحملوا جنسيته، وتنفسوا هواءه، ولن تقع هي على شاب من هذه النوعية إلا إذا كان ناقما على بلاده، شاعرا بأنه مهضوم الحق فيها، مُفتقدا الإحساس بالسعادة على أرضها، غارقا في الغربة بين باقي أبنائها!
لا تذهب إلى بلد عربي إلا وتقرأ عن المواطنة باعتبارها المبدأ الحاكم، في علاقة حكومته بمواطنيها، وليس للمواطنة معنى جامع مانع، إلا أن يكون ما لكُل مواطن، هو بالضبط، ما للآخرين، وما عليه، هو بالضبط أيضا، ما على الآخرين، دون جور هنا، أو ميل هناك! ولكن المواطنة ليست كلاما نسمعه أو نطالعه، بصفتنا مواطنين عربا في علاقاتنا بحكوماتنا... إنها هواء لا بديل عن أن نتنفسه!
السعادة نسبية... هذا صحيح. ولكن ما هو أهم من نسبيتها، هو قاسمها المشترك الأعظم، الذي يعني أول ما يعني، أن تكون الحكومة أحرص على حق مواطنها في بلده، من حرصه هو على واجبه إزاء البلد نفسه، ولو حدث هذا لتحققت له سعادته في أبسط معانيها، ولكان ذلك عاصما لنا من كثير من الشرور!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة