«آستانة» الأخيرة وتسليم أوراق سوريا كلها للروس والإيرانيين!

«آستانة» الأخيرة وتسليم أوراق سوريا كلها للروس والإيرانيين!

الخميس - 15 شعبان 1438 هـ - 11 مايو 2017 مـ رقم العدد [14044]
صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق
أعطى الظهور الأميركي في اجتماع «آستانة» الأخير، انطباعاً بأنَّ قرار سوريا لا يزال في يد فلاديمير بوتين، وأنَّ ما جرى في هذا الاجتماع هو أن كل شيء لا يزال على ما هو عليه، وأن مصير الشرق الأوسط كله لا تزال تتحكم فيه روسيا الاتحادية، هذا إن لمْ يكن هناك تدارك سريع للأمور بعد زيارة لافروف الأخيرة إلى واشنطن.
كان هذا مفهوماً في زمن إدارة أوباما البائسة، ولكن الروس قد تمادوا كثيراً عندما فرضوا في هذا الاجتماع الأخير كل ما يريدونه.
المفترض حسب ما قاله الرئيس ترمب أنْ تخرج إيران من المعادلة السورية، ومن معادلة هذه المنطقة الشرق أوسطية نهائياً، لكن ها هي دولة الولي الفقيه قد تم تكرسيها مجدداً من قبل روسيا الاتحادية، في اجتماع «آستانة» في هذه المعادلة التي بقي الخصم فيها هو الحكم، وبقي «حاميها حراميها»، وبقي الضامنون حتى بالنسبة لهذه الاتفاقيات الجديدة هم الإيرانيون والروس، «وكأنك يا أبا زيد ما غزيت»!!.
حسب ما قيل وما تردد في الإعلام، وعلى ألسنة كبار المسؤولين الأميركيين، فإنَّ تنفيذ مذكرة المناطق الأربعة التي تم الاتفاق على أن تكون مناطق عدم تصعيد قليلة التوتر، سيكون بضمانة دول محايدة، لكن ما جرى في اجتماع «آستانة» الأخير أن كل شيء بقي على ما هو عليه، وأنَّ إيران قد تم تكريسها كدولة ضامنة، أي كدولة «محايدة»، وأنَّ روسيا بقيت تمسك بكل أوراق هذه الأزمة التي من المفترض أنها أصبحت أزمة دولية، كل هذا وقد أُعطي لتركيا دور ثانوي «ديكوري»، في حين أن المتوقع أن يفرضها الأميركيون دولة «ضامنة» رئيسية، من حقها أن تتدخل حتى عسكرياً لضبط الأمور في مناطق «تخفيض التوتر» الأربعة إنْ استلزمت مستجدات الأمور ذلك.
والسؤال هنا هو: كيف من الممكن يا ترى أن تلعب إيران دور الخصم والحكم في الوقت نفسه؟ والتي هي سبب المشكلات والإشكالات التي تشهدها سوريا ويشهدها الشرق الأوسط كله؟.
كان يجب إخراج إيران من هذه المعادلة نهائياً، والمفترض أن تكون الدول الضامنة لمناطق «التهدئة» الأربعة دولاً محايدة بالفعل، وذلك لأن الإيرانيين ولأن الروس أيضاً لا يمكن أن يكونوا محايدين، ولأنهم سيبقون يتلاعبون بعامل الوقت لإبعاد استحقاق: «المرحلة الانتقالية»، حسب «جنيف 1» وقرار مجلس الأمن رقم 2254، ولأنهم سيستغلون «ضمانهم» هذا الذي أقره اجتماع «آستانة» الأخير للإبقاء على بشار الأسد حتى نهاية رئاسته الحالية، بل وإنه غير مستبعد أن يضمنوا له ولاية جديدة وبانتخابات شكلية، ككل الانتخابات الرئاسية التي جرت في سوريا خلال نصف القرن الأخير كله.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه هو أن وزير خارجية نظام بشار الأسد لم يلمّح فقط في مؤتمره الصحافي يوم الاثنين الماضي، بل أعلن وبكل وضوح أن صيغة المناطق الأربعة الآنفة الذكر لن تكون تحت رقابة الأمم المتحدة، وإنما تحت الرقابة الروسية، وأنها ستكون البديل لـ«حل جنيف والمرحلة الانتقالية»، وهذا يعني، إنْ لم يكن هناك تدخل أميركي ودولي عاجل لتصحيح المسار ووضع الأمور في أنصبتها الصحيحة، أنَّ الروس والإيرانيين قد حققوا انتصاراً كاسحاً، وأنَّ الأمور قد عادت إلى ما كانت عليه لدى انفجار الأزمة السورية، وكأن كل هذا الدمار لم يكن، وكأن مئات الألوف من الأرواح البريئة لم تزهق، وكأن الملايين من السوريين لم يتحولوا إلى لاجئين ومشردين، سواء داخل وطنهم أو في كثير من دول العالم القريبة والبعيدة.
إنَّ المفترض أن يكون وضع الولايات المتحدة في اجتماع «آستانة» الأخير ليس بصيغة «مراقب»، فهذا كان في عهد الإدارة السابقة التي هي المسؤولة عن وصول الأزمة السورية إلى ما وصلت إليه، أمّا في عهد هذه الإدارة الجديدة فإن المفترض أن تكون الدول الضامنة لـ«المناطق الأربعة» دولاً محايدة بالفعل، وأن تُفْرض على الإيرانيين فرضاً مغادرة سوريا سياسياً وعسكرياً، ووفقاً لجدول زمني محدد قصير المدى، وبكفالة دولية فاعلة، وألا يتم تأجيل المباشرة بالمرحلة الانتقالية وفقاً لـ«جنيف1» وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، ولا للحظة واحدة.
ولعل الأخطر في هذا كله أنَّ هناك من يتحدث عن أنَّ ما تم الاتفاق عليه في «آستانة» الأخير سيكون بالنتيجة هو الحل النهائي، وأن فترة تطبيقه لن تقف عند مجرد الشهور الستة المتفق عليها، بل قد تمتد لسنوات طويلة، مما يعني أن عملية التلاعب والتسويف التي سيلجأ إليها الروس حتماً وبكل تأكيد ستسفر عن مستجدات كثيرة، وأن هذا النظام الاستبدادي المتهالك الذي على رأسه بشار الأسد، قد يستمر لسنوات طويلة، وتكون النتيجة أن كل هذه المذابح وكل هذه الدماء التي نزفت، ستكون نتيجتها كنتيجة مذابح حماة الشهيرة التي ارتكبها الأسد الأب وشقيقه رفعت، قائد سرايا الدفاع، في عام 1982.
ويبقى في النهاية أنه لا بد من الإشارة إلى أن الذين يراهنون على فراق روسي – إيراني قريب أو بعيد، يقعون في خطأ فادح، وأنهم لا يعرفون حقائق الأمور، فالمصالح الاستراتيجية المشتركة بين الدولتين تفرض عليهما تحالفاً طويل المدى وبلا نهاية قريبة، فالروس الذين ذاقوا مرارة العزلة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لا يمكن أنْ يفرطوا في هذا الحليف الذي لا حليف فعلياً لهم غيره، ذلك بينما الإيرانيون الذين كابدوا ويلات عزلة استدامت لنحو أربعة عقود لا يمكن أن يفكروا حتى مجرد تفكير بإنهاء زواجهم السياسي «الكاثوليكي» مع إمبراطورية فلاديمير بوتين، التي مكنتهم من أن يسيطروا على العراق وعلى سوريا، والتي تساندهم للسيطرة على بعض الدول العربية الأخرى.
إن ما يريده ويسعى إليه بوتين هو أن يكون هناك عالم جديد هو عالمه، كما قالت مارين لوبان، وهو إنهاء هيمنة الولايات المتحدة على هذا العالم الأحادي القطبية، ولذلك فإنه مضطر للحفاظ على هذا الحليف الإيراني، وكل هذا بينما تخلى الإيرانيون عن كل خلافاتهم التاريخية مع روسيا الاتحادية من أجل ضمان مساندة موسكو لكل تطلعاتهم التمددية في المنطقة العربية. ولذلك فإن على العرب أن يكفوا عن الاستمرار في محاولات دق الأسافين في العلاقات الروسية – الإيرانية؛ لأن هذا غير ممكن في المدى المنظور على الأقل، ولأن «القيصر الروسي» لا يرى أي جدوى من تعزيز علاقات بلاده مع الدول العربية على حساب علاقاتها مع «الإمبراطورية» الخمينية!

التعليقات

أبوياسر
البلد: 
السعودية
11/05/2017 - 04:13

تحليل منطقي وقراءة دقيقة لأحداث جسام تحتاج لخبير مثل قلمك أستاذنا الفاضل لتتضح زاوية الرؤية لكل ذي عقل

رشدي رشيد
11/05/2017 - 05:31

لا نزال ننكر ونُمني الانفس بكون ترمب مختلفا عن سابقه آية الله اوباما ولا نعترف بحقيقة عدم قدرة أي رئيس أمريكي على التدخل في اساسيات السياسة الخارجية الامريكية والتي تحددها اللوبي القوي في واشنطن والذي كل القرارات والخطوات تتم بناء على ما هو مرسوم. كان البعض يتصور وأنا كنت واحدا من هؤلاء المخدوعين بأنه في إمكان ترمب تغيير النهج المتبع في واشنطن للتعامل مع ملة العمالة والاجرام في قم وكم كنت مخطئا وهونت مدى حاجة الدول العظمى ودول الاقليم لخدمات ملة الشر لتقسيم الدول العربية وقتل وتشريد شعوبها وكم هي مهمة لهم الدور الإيراني في هذه المذابح. لا يسعنا إلا أن نترحم على صدام والقذافي بالرغم من دكتاتوريتهما إلا إنهما لم يقوما بالمذابح بالكم الذي يقوم بها ملالي ايران واعوانهم في سوريا والعراق واليمن ولبنان.

سوريا الحرة
البلد: 
Aus
11/05/2017 - 05:48

أستانا..أستانا..
من بقي من العالم لم يرى دمانا
صولة.. وجولة.. ومرارة الذل.. وللعالم ارتهانا
ونعود إلى أستانا بعد دفن عارنا.. وقتلانا
نساق كالشاة..لمقصلة أستانا..ولا حول ولا قوة للحيوانا
وتشرق شمس ذل جديدة.. ونتناسى عارنا وقتلانا.. ونعود إلى حظيرة أستانا ..Ans

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
11/05/2017 - 08:50

أستانا كانت مجرد خدعة وإلتفاف على جنيف ، وقد إستطاعت روسيا جر الجميع إلى هناك بالقوة على إعتبارها قوة إحتلال ووصاية على سوريا وكذلك المحتل الإيراني المجرم الذي إستجلبه النظام الطائفي المجرم والذي كان آيل للسقوط ، أما تركيا فكانت سياساتها الإنكماشية تتصرف كتصرفات الفريسة مع الضبع ( الضبع يحاول أن يدحم الفريسة ويقترب منها ويحاول ويناور حتى تكون الفريسة قد وصلت إلة مرحلة الخوف المطلق والإستسلام فينقض عليها الضبع ) فتركيا كان لديها في بداية الثورة السورية ولو أنها تدخلت بقوة لسقط هذا النظام السفاح من وقتها ولكن كان ما كان وقد أصبحت تركيا بين فكي كماشة الداخل وتبعاته والشريط الكردي العنصري على حدود جنوبها الممتد حوالي 800كلم والذي تدعمه أمريكا من أجل تفتيت تركيا مستقبلاً من هنا لجأت تركيا إلى روسيا في الفترة الأخيرة بعد إنكشاف سياية أوباما ...

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
11/05/2017 - 08:59

في فترة حكمه ، واليوم نحن في عهد ترامب ولكن لم تتغير سياسية أمريكا تجاه تسليح الببي كي العنصري المصنف إرهابياً تركيا وكان في السابق أمريكياً ، فكيف يمكن أن يحرر تنظيم إرهابي محافظة الرقة من تنظيم إرهابي آخر وتسليمها كما يدعون لحكم مدني ، فلماذا أمريكا لم تطلب من تنظيمات إرهابية تدعمها أن تحرر دمشق على سبيل المثال من نظام طائفي إرهابي وتسليمها لأهلها كما كانت قبل إستيلاء الأب المجرم على السلطة وإغتصابها بالقوة وإقامة حكم علوي أقلوي طائفي مجرم ، أمريكا وحتى اليوم لم تتبلور لها سياسية صحيحة فيما يتعلق بالوضع السوري فلا نرى سوى التصريحات حتى الآن وهاهي إيران وأذرعتها الإرهابية والنظام المجرم السفاح في كل أستانة تتم جريمة ضد الإنسانية وما حدث من تهجير في حي برزة الدمشقي وسيتبعها جريمة تهجير حي القابون الدمشقي في ظل الإحتلاليين الروسي والإيراني .

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
11/05/2017 - 09:24

لا أستانة ولا غيرها من الخدع ومضيعة الوقت وعلى الأرض نرى الجرائم والتهجير ، فلا حل نهائي بسوريا بوجود هذا النظام المجرم والمحتلين الإيرانيين ، الحل هو بدعم تشكيل جيش تحرير وطني نواة في محافظة إدلب ونواة في محافظة درعا وحل جميع الفصائل والتنظيمات المدعومة من تركيا والدول العربية ودمجها في جيش التحرير الوطني وتسليحه بسلاح فعال لإنهاء الإحتلال الإيراني لسوريا وطرد كل التنظيمات الإرهابية منها والحفاظ على وحدتها وعدوة جميع اللاجئين إلى مدنهم وقراهم ودعم إعمارها وفتح ملف الجرائم لإحالة كل المجرمين إلى العدالة وملاحقتهم ، أما غير ذلك فكله مضيعة للوقت على حساب إنهاء سوريا كدولة وتشريد من تبقى من شعبها .

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
11/05/2017 - 11:29

إذن فلا شرعية لأستانة وما نتج عنها لأنها إلتفاف على مبادئ الحل الحقيقي في جنيف ، اليوم الرسالة الأمريكية كانت واضحة لوزير خارجية روسيا لافروف أن على روسيا كبح جماح الأسد وإيران إن كانت تريد حل حقيقي يضمن مصالح الشعب السوري ومصالح الجميع ، فهذه أولى الرسائل المهمة قد صدرت عن إدارة الرئيس ترامب ومن ذاته إلى لافروف ، والنقطة الأهم هي الزيارة الأولى الذي سوف يقوم بها سيد البيت الأبيض إلى المملكةةالعربية السعودية مفتاح الحل الرشيد الشامل في المنطقة والتي نأمل ويأمل كل العرب والمسلمين أن يسمع الرئيس ترامب إلى رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز رعاه الله والقيادة السعودية والعربية للحل في سوريا والمنطقة بشكل عام في خلال اللقاء التاريخي القريب الذي ينتظره الشعب السوري بفارغ الصبر والمنقطة بشكل عام لما له من أهمية كبيرة جداً .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر