«حماس»: خطأ تقديم الآيديولوجيا على القضية

«حماس»: خطأ تقديم الآيديولوجيا على القضية

الثلاثاء - 12 شعبان 1438 هـ - 09 مايو 2017 مـ رقم العدد [14042]
غسان الإمام
صحافي وكاتب سوري

في أزماتها المتواصلة، تعيش الحركات الإسلامية السياسية والمسلحة مأساة التناقض بين «فن الممكن» و«فن المستحيل». ولا أدل على ذلك سوى المقارنة بين ميثاق حركة «حماس» الصادر قبل 29 سنة. ووثيقتها الجديدة التي صدرت في أول مايو (أيار) الحالي.
أزمة «حماس» لا تنفصل عن أزمة «الإخوان». وأحزاب «العدالة والتنمية» التركية والعربية. وحركة «النهضة» التونسية. و«حزب التحرير» الإسلامي، وصولاً إلى تنظيمات العنف الديني المتزمتة كـ«داعش». و«طالبان». و«بوكو حرام». و«القاعدة». و«جبهة النصرة» التي تحولت إلى «فتح الشام». وتمتد الأزمة لتشمل الدولة الدينية الشيعية في إيران. وذراعها اللبنانية «حزب الله» الذي يشارك في ذبح السوريين، بترخيص من بشار.
هذه التنظيمات تسيَّست مستلهمة مراجعها الدينية. ثم يحاول بعضها، كما في تركيا. وتونس. وغزة، «تعقيل» مظهره الخارجي، لاجتذاب الأجيال الشابة. وإغرائها بمنطق ديني إيماني ينافس مبدأ الديمقراطية الغربية، في المساواة بين مواطنيها في الحقوق والواجبات.
تجربة الدولة الدينية الطالبانية. و«الداعشية». والإيرانية، لا توحي بالتفاؤل بإمكانية تطوير التنظيم أو النظام الديني المتزمت. واكتفت التجربة الشيعية الفارسية، باستلهام «ديمقراطية» الطليعة في التجربة الماركسية. فمنحت النخبة الدينية الحاكمة حرية الكلام. وعقدت حواراً تلفزيونياً لمرشحيها الستة للرئاسة. وحرمت المئات من الترشيح، بمن فيهم الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.
في الحديث عن تطوير التنظيمات الدينية (السنيّة)، يمكن القول إن «تعقيل حماس» تم شكلياً في «المظهر». كما قال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي المتقاعد أو المستقيل، وهو يقدم الوثيقة الجديدة، ملزماً خلفه إسماعيل هنية بهذا الشكل المجرد من العمق والمضمون.
الأمر الإيجابي في تجربة «حماس» هو عدم تقليد النظام الشيعي الإيراني و«حزب الله» في التورط بممارسة العنف الإرهابي على مستوى عالمي. واقتصرت العمليات الانتحارية الحماسية على اجتياح الشارع الإسرائيلي، رداً على الاغتيال الإسرائيلي لزعمائها: أحمد ياسين. عبد العزيز الرنتيسي. صلاح شحادة. محمود المبحوح... ومحاولة تسميم خالد مشعل.
لكن الخطأ المروِّع في المشروع الديني الحماسي، كان في تقديم آيديولوجيا العقيدة، على القضية القومية الفلسطينية. وعلى الوحدة الوطنية. كان بالإمكان علاج الفساد والترهل بالصدمات السياسية. أدى انتزاع غزة من سلطة الحكومة الشرعية، إلى عدم نجاح كل محاولات النظام العربي، وبالذات الخليجي، لمصالحة «حماس» وفتح، بسبب تأجيل «حماس» للوحدة الوطنية.
كان احتكار غزة بمثابة كارثة. فقد أضعفت ثقافة الحصار والتزمت في تطبيق الشريعة معنويات الإنسان الغزي ووعي المرأة. سارعت «حماس» إلى تطبيق ميثاقها الصادر في عام 1988. متحالفة مع إيران في اعتماد صاروخ القصدير غير الدقيق في إصابة الهدف. وفي التضحية بالإنسان المدني الفلسطيني في الحرب مع إسرائيل (2500 قتيل في حرب عام 2014)، متجاهلة حاجتها إلى عمق استراتيجي، في قطاع محاصر وصغير (310 كيلومترات مربعة) وخالٍ من الجبال. ولا يصلح لتطبيق شعار التحرير من النهر إلى البحر، في غمرة الكثافة السكانية الهائلة (مليونا إنسان) غير المحمية من القصف المدفعي والجوي. والهجوم البري المتعمد لإنزال الخسائر بالمدنيين.
لا يمكن مقارنة «تعقيل» الحركات الدينية الإسلامية، بالتطور السياسي للحركات المسيحية في أوروبا. فقد اعتنقت الأحزاب المسيحية التي حكمت إيطاليا. وما تزال تحكم ألمانيا، الديمقراطية الليبرالية. وغادرت الكنيسة إلى الشارع السياسي والشعبي. ووصل بها التسامح الديني إلى حد توطين ألمانيا لنحو مليون لاجئ سوري مسلم.
تحررت المرجعية الدينية الفاتيكانية من الكبت الكاثوليكي الذي مارسته في القرون الوسطى. اعترف البابا جون بول بالأديان السماوية. واعتذر البابا الحالي فرانسيس لشيخ الأزهر عن تخلف البابا الألماني بنديكت السادس عشر في فهم روح الإسلام.
وثيقة «حماس» الجديدة تتضمن 42 بنداً للتعريف بالقضية الفلسطينية من وجهة نظر دينية. ومعظمها بنود إنشائية لا تحتوي على تجديد. وأهم ما فيها بالمقارنة مع الميثاق القديم، هو «الطلاق» بين «حماس» وجماعة «الإخوان». وهو غير مقنع للعقل والمنطق.
لكن الانفكاك يسمح لـ«حماس» بتحويل الصراع الديني والمذهبي مع يهود إسرائيل، إلى مجرد مواجهة مع المشروع الصهيوني، كما هو في رؤية الأحزاب والتيارات الفلسطينية غير الدينية.
هناك أيضاً «تنازلات» لإرضاء إسرائيل، وقبولها بدولة «حماس» الدينية بجانبها على حدود عام 1967. الأرجح أن تصر إسرائيل على تحييد هذه الدولة عسكرياً وسلاحياً. غير أن الهدنة التي تقترحها «حماس» لا تعادل معاهدة سلام تلزم إسرائيل بعدم الاعتداء على دولة دينية محايدة.
أود أن أشير هنا إلى أن خالد مشعل سبق له أن تحدث منذ سنين، عن دولة فلسطينية تقوم على حدود عام 1967، بجوار إسرائيل. بل أستطيع أن أقول إن محادثات سرية جرت معه لعقد هدنة. وفتح مطار وميناء غزة. ووقف استيطان الضفة. في مقابل إنهاء علاقة «حماس» مع إيران و«حزب الله». وقام بهذه الاتصالات توني بلير (ممثل لجنة الطريق الرباعية) ووسطاء أوروبيون آخرون.
استقالت «حماس» من إيران. طلقت «الإخوان». لكن أقامت علاقات وثيقة مع قطر التي تحتفظ بعلاقة وطيدة مع «الإخوان». ويرتبط مشعل بعلاقات وثيقة مع كبار المسؤولين القطريين. وتبرعت قطر بنحو 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة الذي يكلف ستة مليارات دولار.
واضح أن قطر توافق على الوثيقة الحماسية الجديدة. وتعتبرها إنجازاً كبيراً لها. فهل يوافق عليها النظام العربي؟ تعب العرب. والفلسطينيون. واليهود من المواجهة المستمرة منذ أكثر من مائة سنة. واستعصت القضية على الحل، مع نشوء الحركات الدينية الإسلامية. وعناد إسرائيل. وتحولها إلى اليمين الديني والصهيوني. لكن أميركا أوباما لم تعرف انتهاز الفرصة لفرض حل. فهل تفعل ذلك أميركا ترمب التي تظهر ودها إزاء النظام المصري والدولة الخليجية. ورغبتها في ردع إيران عن مواصلة التدخل في العالم العربي؟
ما الحل، إذن، في الضفة وغزة؟ لقد تغيرت الظروف لفرض حل بالقوة على أي من الجانبين. الحل المتاح يعتمد ثقافة التنمية. فهي أيضاً مقاومة وطنية كالحق المشروع بمقاومة مسلحة، في مواجهة دولة محتلة تملك القوة العسكرية لدولة عظمى. تحويل الضفة إلى سلة زراعية وصناعية. وغزة إلى لؤلؤة اقتصادية/ سياحية مزدهرة. ومحاكية للدولة/ المدينة في سنغافورة. وهونغ كونغ. ودبي. ومجتمع فلسطيني مزدهر اقتصادياً ومستريح اجتماعياً. كل ذلك سوف يفرض على إسرائيل إنهاء الاحتلال. والانسحاب. ووقف الاستيطان (الذي بني بأيدي العمال الفلسطينيين البائسين). وقد عبر مسؤولون إسرائيليون كبار علناً عن استعدادهم لفك الحصار عن غزة. والاعتراف بدولة فلسطينية في الضفة وغزة مزدهرة ومتقدمة اقتصادياً، ولا تعتمد المواجهة الدينية العصبية. ثم تتسوَّل المنح المالية من أوروبا وأميركا، لمواصلة حفر الأنفاق. وقمع الناس. والتباهي بإطلاق صاروخ التنك.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة