حكاية في التفويض

حكاية في التفويض

الخميس - 8 رجب 1435 هـ - 08 مايو 2014 مـ رقم العدد [12945]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

كان هناك مصارع فذ لا يُشَقّ له غبار. وفي يوم من الأيام عاد مرهقا إلى بيته رغبة في الخلود إلى النوم، وفجأة رأى فأرا يعبث في فراشه فانتفض مسرعا، محاولا قتله دون جدوى. وبعد جهد جهيد، اقترحت عليه زوجته أن يحضر قطة لتصطاد الفأر. فاستعار قطة ماهرة من صديقه، كانت قد فازت بجوائز مسابقات كثيرة بفضل مهارتها في عمل الحيل الذكية. حاولت القطة عبثا ولم تفلح حتى نجح الفأر في إخافة القطة ففرت من المنزل! حاول المصارع أن يستفيد من شهرته لدى الناس، وذلك بأن يأتي بقطة كريمة تعيش في قصر الملك. ولما وصل إليها وشرح معاناته تعاطفت معه فذهبت إلى المنزل بحثا عن ذلك الفأر الشقي، غير أنها أخفقت أيضا بعد محاولات مضنية. وفي طريق عودة المصارع معها إلى القصر طلب منها أن تساعده في حيلة تخلصه من هذا الفأر اللئيم. ثم قالت له القطة: «عزيزي المصارع، لتقضي على هذا الفأر فأنت لا تحتاج إلى قطة ماهرة كتلك ولا إلى أخرى ذكية مثلي، والسبب هو أنني ترعرعت في قصر الملك لم أشعر فيه قَط بالجوع، ولم أبذل جهدا كبيرا في حياتي لتناول وجبة صغيرة، كفأرك! وكذلك الحال مع القطة الماهرة، فهي أيضا لم تعانِ من أجل أن تظفر بوجبة صغيرة. ولذا أقترح عليك أن تجلب قطا جائعا من الشارع».
ورغم عدم اقتناع المصارع بذلك فإنه اضطر إلى جلب أحد القطط السائبة في الشارع، لم يبدُ عليه علامات الذكاء والقوة. وما إن دخل المنزل حتى هرع القط إلى غرفة النوم فانقضّ على الفأر في ثوانٍ معدودة، وخرج يحمله بفمه وهو مسرور ويختال في مشيه إلى أن خرج من المنزل. ذهل المصارع فتبع القط وسأله: «كيف فعلت ذلك بهذه السرعة؟!»، فقال القط: «لا أعلم، أنا مجرد قط سائب يهيم في الشوارع»، وتركه ومضى!
هذه القصة الرمزية تذكرنا بأن أفضل طريقة لإدارة أمورنا ومشكلاتنا ليست بالضرورة بالتصدي لها بمفردنا، مهما أوتينا من قوة وخبرة، ففي بعض الأحيان كل ما نحتاج إليه أن نحدد المهمة وأن نختار الشخص الملائم لها وأن نفوضه، والأهم أن نقبل بالنتائج. ذلك أن بعض المسؤولين والأفراد يفوضون وينسون أن من أبجديات التفويض القبول بالنتائج حتى وإن كانت دون توقعاتنا، وذلك حفظا للوقت والجهد، لا سيما أن البعض قد لا تبدو عليه أمارات المقدرة لكنه قد يتمتع بمهارات تفوقنا بمراحل. كل ما نحتاج إليه هو أن نجرب شيئا من التفويض ولو لفترة قصيرة.
كما أن من ثمار التفويض أنه يُشعِر الآخرين من حولنا بالأهمية ويمنحهم فرصة تحقيق ذاتهم. فكم من مهارات ضمرت وكفاءات وُئِدت لأنها لم تجد من يحسن توظيفها بشيء من التأهيل عبر التفويض المدروس.
ولا ننسى أن لكل إنسان قدرات وفرصا قد لا تتوافر لدى آخرين، ولذا قيل «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة