حرب القرصنة على الإنترنت؟

حرب القرصنة على الإنترنت؟

السبت - 9 شعبان 1438 هـ - 06 مايو 2017 مـ رقم العدد [14039]

تمكن القرصان، الذي حاول الحصول على فدية من شركة نتفليكس، من تحقيق نتيجة غير متوقعة، وهي أن فشله أظهر أن نماذج الأعمال التجارية القائمة على الاشتراكات المالية بهدف توزيع المحتوى تجعل من الاختراق والقرصنة قضية خاسرة ولا طائل من ورائها. وبطء أصحاب الملكيات الفكرية في اعتماد نماذج الأعمال هذه يعتبر السبب الوحيد في نجاح محاولات القرصنة الإلكترونية المستمرة.
نجح أحد القراصنة (رجلا كان أو امرأة) الذي يطلق على نفسه اسم «ذي دارك أوفرلورد» في سرقة أغلب محتويات الموسم الجديد من مسلسل نتفليكس الجديد المعنون «البرتقالي هو الأسود الجديد»، من أحد استوديوهات ما بعد الإنتاج وطالب بسداد فدية في المقابل. ولقد رفضت شركة نتفليكس السداد، ومن ثم رفع القرصان «ذي دارك أوفرلورد» المواد المسروقة على موقع «بايرت باي» لأي شخص عنده برنامج التحميل المناسب من مثل هذه المواقع. ولكن من غير المرجح أن الشركات الأخرى التي يهددها القرصان أو القراصنة - مثل شركات فوكس، أو ناشيونال جيوغرافيك، أو شبكة إيه بي سي - أنها سوف ترضخ لسداد الفدى كذلك. ولن تندم شركة نتفليكس على قرارها بعدم سداد الفدية المطلوبة: فمن الأسلم أن نقول إن النتيجة النهائية للشركة لن تتأثر كثيرا، وأقصى ما يمكن حدوثه أن الموسم الخامس من المسلسل المذكور سوف يصدر في موعد مبكر عن الموعد المخطط له.
والسبب في ذلك يمكن العثور عليه في التقرير العالمي لظواهر الإنترنت من إصدار شركة «ساندفاين» العاملة في مجال توفير حلول الشبكات. ففي العام الماضي، بلغت حركة المرور على بروتوكول بت - تورنت 1.73 في المائة من وقت الذروة لحركة مرور البيانات المستقبلة (المحمّلة) على أجهزة الحواسيب في أميركا الشمالية. وهذا أقل من نسبة 60 في المائة لتبادل الملفات بين النظراء المسجلة في عام 2003. وكانت شركة نتفليكس مسؤولة وحدها عن 35.15 في المائة من حركة مرور البيانات المستقبلة. ويعتبر تبادل الملفات هو المكون الوحيد لحركة المرور على الإنترنت الذي لا يشهد نموا يُذكر - ومن غير المتوقع له أن يشهد نموا - من حيث القيمة المطلقة وفقا لشركة سيسكو سيستمز الأميركية.
لقد بدأت شركة نتفليكس في التعرض لقرصنة المحتويات منذ أن بدأت العمل وإنتاج برامجها الخاصة، ولكن القرصنة لا تترك وراءها علامة تذكر. ولدى شركة نتفليكس الموارد اللازمة لخوض المعارك القانونية إذا ما لزم الأمر، ولكن في الحقيقة، من يرغب في مواجهة المشكلات لاستخدام برامج التحميل المجانية (تورنت) - ويخاطر بمشكلة ما مع موفر خدمات الإنترنت، أو على وجه الخصوص في أوروبا، حيث المشكلات القانونية الأكيدة - من أجل مشاهدة موسم لأحد المسلسلات قبل ميعاد عرضه بأيام أو أسابيع قليلة؟ بكل تأكيد، لن يحاول أحد من المستخدمين إلغاء اشتراكه لدى شركة نتفليكس بسبب أن موسما لأحد المسلسلات قد أصبح متاحا للتحميل المجاني عبر إحدى التقنيات غير المشهورة وغير المناسبة، التي لا تسمح أبدا بالبث الحي المباشر. ولن يهتم الناس بمثل هذه التقنيات إلا إذا كان محتوى نتفليكس يمكن بثه بالكامل ومجانا عبر الإنترنت.
إن «الاشتراك» الكلمة الرئيسية في هذا المجال. وبالتالي فإن نموذج الأعمال التجاري يعد قاتلا لأعمال القرصنة الإلكترونية.
على مدى 15 عاما، حاولت شركة أدوبي سيستمز بيع برامج التحكم وإدارة الصور بآلاف الدولارات لكل حزمة من البرمجيات للمصورين والمصممين المحترفين، وكل من أعرفهم ممن يعملون في هذا المجال لديهم نسخ «مقرصنة» من هذه البرمجيات في منازلهم. والآن وبعد أن صار البرنامج يُباع في صورة «خدمات»، مقابل اشتراك شهري محدد، فإن كل من أعرفهم صاروا يدفعون ذلك الاشتراك بكل سعادة. وكما قال ريتشارد أتكينسون، مدير تحويل القرصنة لدي شركة أدوبي العالمية: «لقد حاولنا على مدى 15 عاما استخدام حلول مكافحة القرصنة التي أثبتت عدم فاعليتها على الإطلاق، ومن ثم فقدت القيادة العليا في الشركة الثقة في الفاعلية وفي الجوانب الاستراتيجية الكبرى لبرامج مكافحة القرصنة المستخدمة. ولتحقيق النجاح، كان من الضروري بالنسبة لشركة أدوبي أن تُجري التغيرات الجوهرية وتبدأ في التفكير في القرصنة من زاوية المشكلات التجارية وليس الفنية».
نجحت شركة أدوبي في التحول إلى نموذج الاشتراك من دون أن تخسر الأرباح. وبالنسبة للشركات العاملة في صناعة المحتوى، مع ذلك، كان التحول أكثر رعبا. فشركات التسجيلات، على سبيل المثال، خسرت مبالغ مالية كبيرة أثناء التحول إلى البث المباشر، لأسباب أقلها أن الشركات الرائدة في صناعة البث المباشر شرعت مبدئيا في عرض كثير من المواد الموسيقية بصورة مجانية، على أمل في إقامة نماذج الأعمال القائمة على الدعاية والإعلان. والآن مع تلاشي هذا الوهم الكبير، بدأت أرباح البث الموسيقي المباشر في النمو بسرعة، وأصبح مالكو كتالوجات الموسيقى والفنانين أكثر استعدادا للتعاون مع خدمات البث المباشر المختلفة. وهذا يعني مزيدا من العلامات التجارية ومزيدا من الأغاني على مختلف المنصات والتطبيقات مثل «سبوتيفاي»، و«آبل ميوزيك»، والقليل من القرصنة على المحتويات الموسيقية. ووفقا إلى ميوسو، وهي الشركة العاملة في مجال حماية المحتويات الإلكترونية، شهد عام 2016 انخفاضا بنسبة 6 في المائة في الزيارات على مواقع قرصنة المحتويات الموسيقية، بما في ذلك خدمات «اختراق البث المباشر» التي تقدم خدمة البث المباشر غير القانونية.
وعندما يتعلق الأمر بقرصنة الفيديو، فإن المواقع التي تعرض المحتويات ذات حقوق النشر والتأليف هي القنوات التي تتفوق على برمجيات التحميل المجاني (تورنت) وغيرها من مواقع التحميل الأخرى. وذكرت شركة ميوسو في تقريرها أن هناك 77.7 مليار زيارة تمت على هذه المواقع في عام 2016 وحده. وعلى الرغم من أن هذه المواقع هي أكثر ملاءمة من برامج التحميل المجانية (تورنت)، فإن قرصنة محتويات الفيديو لا تزال في تراجع مستمر. وخدمات الاشتراك مثل نتفليكس تعمل على التقليل من عمليات القرصنة من خلال توسيع خيارات المستخدمين وإنتاج المحتويات ذاتيا، مثل مسلسل «البرتقالي هو الأسود الجديد».
سوف تكون هناك دائما نسبة قليلة من الناس الذين يستهلكون المحتويات المقرصنة بسبب أنهم لا يرغبون في سداد أقل الرسوم للاستفادة من الخدمات. ومع ذلك، يتم تحفيز المستهلكين بما هو مريح ومناسب. وخدمات الاشتراك لا تُكلف كثيرا، وهي سهلة وآمنة من حيث الاستخدام. والعثور على المواد المرئية ذات الجودة العالية على مواقع القرصنة من دون التعرض للإعلانات السخيفة أو مخاطر الإصابة بالبرمجيات الخبيثة من الأمور الميؤوس منها تماما. وإن كنت مثلي، فسوف تقوم بذلك في منتهى الحذر الشديد، وكذلك إذا كان المحتوى الذي تبحث عنه غير متاح بالمرة لدى أي خدمة من الخدمات القانونية الأخرى.
وهناك تكمن المشكلة. عندما يتعلق الأمر بالفيديوهات، فإن أصحاب الملكية الفكرية غير مستعدين لإطلاق المحتويات الجديدة ووفق الطلب على خدمات الاشتراك مثل شركة نتفليكس. فهم أكثر تحمسا للمحافظة على الأرباح السينمائية خلال العرض الأول للأفلام (والمحاولات المثيرة للجدل من جعلها متاحة للمشاهدة المنزلية، مثل عرض أحد الأفلام مقابل 50 دولارا للمشاهدة، لا طائل منها)، وهم أكثر سعادة عند بيع الأفلام القديمة إلى شركتي آبل وأمازون اللتين تعرضان هذه الأفلام على خدمات الدفع مقابل المشاهدة. ولذلك تعتبر شركة نتفليكس نفسها قناة أكثر من كونها كتالوجا للأفلام والمسلسلات، وليست لديها خيارات كثيرة في هذه المسألة. وهي لا تستطيع الشكوى بسبب ضعف النمو، على أي حال.
وتفقد استوديوهات الأفلام فرصة جيدة في هذا السياق. ووفقا إلى شركة ميوسو، في عام 2016. فقد كانت هناك زيارات أكثر بنسبة 5.6 مرة على مواقع قرصنة الأفلام من زيارة مواقع قرصنة الموسيقى. وبالإضافة إلى ذلك، فهناك مخاطرة كبيرة متضمنة في النموذج الحالي لتوزيع الأفلام. إذا نجح القراصنة في سرقة إصدار كبير – مثلا الجزء التالي من فيلم «قراصنة الكاريبي» - فسوف يكون الاستوديو أكثر قلقا بكثير من قلق شركة نتفليكس إزاء سرقة موسم واحد من مسلسلها الأخير.
في نهاية المطاف، ينبغي على استوديوهات الأفلام وخدمات البث المباشر العمل سوياً على وضع نظام معقول، ومنظم لأسعار الاشتراكات، بهدف إتاحة مزيد من المحتويات على الإنترنت. ومن شأن هذا النظام أن يقلل من محاولات القرصنة، كما فعل نموذج الاشتراك في شركات البرمجيات والموسيقى، ولسوف يخرج السرقة من فحواها تماما كما حدث في حالة القرصان «ذي دارك أوفرلورد».
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة