متى تنتهي المعارك الوحشية في سوريا؟

متى تنتهي المعارك الوحشية في سوريا؟

الخميس - 7 شعبان 1438 هـ - 04 مايو 2017 مـ رقم العدد [14037]

مر ما يقرب من شهر تقريبا على الهجوم بغاز السارين على بلدة خان شيخون السورية، ذلك الذي دفع الرئيس ترمب إلى قصف إحدى القواعد الجوية السورية بصواريخ توماهوك كروز. وكانت الأخبار السارة منذ ذلك الحين تقول بأنه لم يشن النظام السوري المزيد من الهجمات الكيماوية على المدنيين السوريين - على الرغم من أن نظام بشار الأسد يمتلك عدة أطنان من ذلك الغاز القاتل - برغم أن البراميل المتفجرة المليئة بهذه المواد الكيماوية لا تزال تتساقط بصورة روتينية على مختلف المستشفيات، والمدارس، والمباني السكنية قبل يوم السابع من أبريل (نيسان) الماضي.
والآن يأتي وقت الأنباء السيئة، والتي تم تجاهلها تماما إذ واصلت الطائرات الحربية الروسية والسورية قصف الأهداف المدنية في مختلف أنحاء سوريا وبصفة يومية بالقنابل العنقودية، والمحرمة دوليا، وقنابل الفسفور، والبراميل المتفجرة المليئة بالشظايا. وفي يوم قصف اعتيادي من الأسبوع الماضي سقط أكثر ما بين 70 و80 قتيلا في الحرب الأهلية السورية، وفقا للتقارير الإخبارية من المرصد السوري لحقوق الإنسان - ونفس الرقم تقريبا كان حصيلة القتلى في بلدة خان شيخون جراء الهجوم الكيماوي السابق.
فهل وفر القصف للشعب السوري أي قدر من الأمان؟ نقول بكل أسف، كلا، وهي كلمة رائد الصالح رئيس منظمة الدفاع المدني الشعبي السورية المعروفة إعلاميا باسم «الخوذات البيضاء»، تلك المنظمة التي أخبرت العالم بأسره بأنباء الهجوم الكيماوي البشع. وأردف السيد صالح يقول: «لقد نجحوا في إيقاف استخدام الأسلحة الكيماوية. ولكن آلة القتل لا تزال تعمل بكل أنواع الأسلحة الأخرى».
وخلال زيارة أخيرة إلى واشنطن الأسبوع الماضي، وصف السيد صالح، وبكل أسى، الأنقاض التي ظل هو وفريقه يحاولون الحفر خلالها أو رفعها خلال الأسابيع القليلة الماضية. كان هناك مستشفى «شام» الذي بني في كهوف تحت الأرض على مبعدة ستة أميال إلى الغرب من بلدة خان شيخون: ولقد ألقت القاذفات الروسية ست قنابل خارقة للأنفاق على هذه المستشفى الميداني في 22 أبريل الماضي، ما أدى إلى انهياره واحتجاز الأطباء والمرضى تحت الحجارة الثقيلة المنهارة. وتعرضت ثلاثة مستشفيات أخرى مؤخرا للقصف في نفس المنطقة الشمالية الغربية من البلاد. وفي اثنتين من هذه الحالات، كانت المقاتلات تعود للهجوم على عمليات الإنقاذ الإنسانية لأصحاب الخوذات البيضاء.
ولقد تحولت تلك المنظمة إلى أحد الأهداف الرئيسية لدى الروس منذ أن قدمت الأدلة الدامغة على الهجوم الكيماوي السوري، كما قال السيد صالح. وفي الأيام التي أعقبت الهجوم الصاروخي الأميركي تعرض مركز الخوذات البيضاء في بلدة خان شيخون للقصف، ولقد تمكن أفراد المنظمة من النجاة في أحد المخابئ تحت الأرض، ولكن دمرت كل السيارات التي بحوزتهم. كما تعرضت منشأتان أخريان لنفس المنظمة للقصف، إحداهما بمسقط رأس السيد صالح في جسر الشغور. وفي الأثناء ذاتها، شنت القوات هجمة دعائية مضادة وشاملة: ففي مؤتمر صحافي في موسكو عقد يوم الخميس الماضي، وجه المتحدث الرسمي باسم الخارجية الروسية الاتهامات لتلك المنظمة بالتعاون مع تنظيم داعش وتنظيم القاعدة إلى جانب توفير الذريعة للولايات المتحدة لتنفيذ الأعمال العدائية.
وفي واقع الأمر كانت منظمة الخوذات البيضاء مثل الجزيرة الإنسانية في مستنقع وحشي قاتم وعقيم. ولقد تمكنت المنظمة، منذ أن ساعد السيد صالح في تأسيسها في شمال سوريا الذي تسيطر عليه قوات المعارضة في عام 2013، من إنقاذ ما يقرب من 91 ألف مواطن مدني. ويقول إن المنظمة تضم الآن 3300 متطوع موزعين بين 120 مركزا في تسع محافظات سورية. ولقد سقط 184 شخصا صرعى وتعرض 500 آخرون للإصابات، بما في ذلك ثمانية سقطوا قتلى جراء القصف. ووقع الكثير ضحايا الهجمات المتعمدة والموجهة ضد عمليات الإغاثة والإنقاذ. وبرغم ذلك يقول السيد صالح إن هناك قائمة انتظار طويلة من المتطوعين المستعدين للانضمام عندما تتاح الفرصة: «عندما نطلب عشرة من المتطوعين تأتينا طلبات انضمام من 700 شخص».
ويتلقى عمال الإنقاذ راتبا شهريا يبلغ نحو 150 دولارا - ولكن الدافع الحقيقي وراء الانضمام هو إنقاذ الأصدقاء والجيران. يقول فاروق حبيب، المتطوع ومنسق التدريب في المنظمة: «في كل مرة ينقذون طفلا من تحت الأنقاض يشعرون بالمزيد من الحوافز للمواصلة والاستمرار». كان الدعم الدولي كبيرا: حيث وفرت الكثير من الحكومات الغربية الكبرى التمويل، بما في ذلك أكثر من 20 مليون دولار من الإدارة الأميركية السابقة، وحملة عبر الإنترنت نجحت في جذب أكثر من 200 ألف متبرع وأكثر من 12 مليون دولار من التبرعات.
وأصبحت منظمة الخوذات البيضاء من المرشحين الأوائل للحصول على جائزة نوبل للسلام. ولكن الشاب الذي يقود تلك المنظمة، والبالغ من العمر 34 عاما لا يشعر أبدا بالتفاؤل.
كان السيد صالح يتحدث بصوت حزين حال وصفه لاستراتيجية المنظمة لتفادي الضربات المتكررة على أعضاء منظمة الخوذات البيضاء: «ليست لدينا أي استراتيجية. يتوجب علينا الحضور فورا في مواقع الأحداث. فالدقائق أو الثواني قد تنقذ حياة الناس. ولذلك ليس لدينا خيار الانتظار».
وعندما سألت السيد صالح كيف يمكن للمذابح السورية أن تنتهي، قال إن اليوم الوحيد الذي لم يتعرض فيه أي سوري للقتل كان 28 فبراير (شباط) من عام 2016، عندما سرى اتفاق وقف إطلاق النار الذي اتفقت عليه الولايات المتحدة وروسيا. ثم انهارت الأوضاع، ولكن السيد صالح يقول إن هذا هو المخرج الوحيد: «الحل السياسي» الذي ينبثق من «إرادة جادة من القوى السياسية الكبرى».
وبعبارة أخرى، فإن الهجمة الصاروخية الأميركية المفردة ليست كافية بحال. ما لم تبذل المزيد من الجهود، وحتى يحدث ذلك، فإن الخوذات البيضاء سوف تواصل الحفر في الأنقاض.


* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة