وثيقة «حماس» ومراوغة إسرائيل

وثيقة «حماس» ومراوغة إسرائيل

الأربعاء - 7 شعبان 1438 هـ - 03 مايو 2017 مـ رقم العدد [14036]
بكر عويضة
صحافي فلسطيني مخضرم. عمل في كبريات الصحف العربية من بينها جريدة "الشرق الاوسط" وصحيفة "العرب" اليومية" كما عمل مستشارا لصحيفة "ايلاف" الإلكترونية.
يُفترض أن تشكل وثيقة «حماس»، التي أعطتها صفة «وثيقة مبادئ سياسية جديدة»، رداً على ما كان أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي، عرضه السبت الماضي على الحركة، وخلاصته: وقف بناء أنفاق، والكف عن إطلاق صواريخ، مقابل رفع الحصار والمساعدة في فك ضائقة القطاع الاقتصادية، بما في ذلك تشييد ميناء غزة. عرض ليبرمان، المعروف عنه تشدد مواقفه إزاء الفلسطينيين عموماً، وتطرف سياساته اليمينية حتى تجاه خصومه الإسرائيليين، ليس جديداً. هو سبق أن طرح مثل هذا العرض في فبراير (شباط) الماضي، ورد عليه دكتور محمود الزهار، أحد قادة «حماس» المؤسسين، برفض واضح ضمنه عبارة قالت إن الفلسطينيين لو أرادوا بناء سنغافورة في غزة، فسوف يبنوها بأيديهم وليس بمِنّة من أحد. ذلك الرد من جانب الزهار ينسجم تماماً مع مضمون وثيقة «حماس» المُعلنة أول من أمس من الدوحة، ليس فقط على عرض ليبرمان، وإنما على مجمل شروط عملية السلام مع إسرائيل.
يبدو الأمر، في الظاهر، مثيراً للحيرة. فحركة «حماس» تعلن عبر وثيقتها قبول دولة فلسطينية ضمن حدود خامس يونيو (حزيران) 1967، إنما من دون اعتراف بإسرائيل، أو قبول بمسار عملية السلام، بدءاً من أوسلو. تناقض واضح تمام الوضوح. قيادات «حماس»، التي ليست تنقصها ثقافة سياسية، ولا خبرة ميدانية، تدرك ذلك التناقض جيداً. لكن الواقع يقول أيضاً إن التعارض في المواقف السياسية ليس حكراً على «حماس» وحدها. حكومات تل أبيب المتعددة، وليس الحالية فقط، وساسة إسرائيل بمختلف أطيافهم، مع ملاحظة استثناءات محدودة، لطالما تخبطوا في تناقضات المراوغة السياسية، كلما تعلق الأمر بالتوصل إلى الحل السلمي العادل مع الفلسطينيين. سبب ذلك جداً بسيط: مجمل «عروض» ساسة إسرائيل، وعرض ليبرمان ليس سوى أحدث المعروض منها، وما هو بآخرها، يعاني أزمة رفض الإقرار بحق شعب أرض فلسطين في أرضه، ولا حتى حقه في قيام دولة له فوق ثلث تلك الأرض. لو أن قيادات الطرفين، الفلسطيني (ممثلاً في التنظيمات باختلاف مناهجها) والإسرائيلي (ممثلاً في حكوماته وأحزابه) لم تستمرئ ممارسة المراوغة السياسية طوال الخمسين عاماً الماضية، على الأقل، لما كان لهذه الدوامة أن تتواصل بكل أشكالها المأساوية. إنما، للأسف، واقع ممارسات تلك القيادات، على الجانبين، يقول إن مطامح أجنداتها ومصالح تحالفاتها تتعارض فعلاً مع الوصول بالشعبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى نعيم العيش بسلام معاً. لولا ذلك التعارض، لما أخطأ ليبرمان وغيره من ساسة إسرائيل عنوان التخاطب بشأن فك الحصار عن غزة. العنوان الصحيح هو السلطة الفلسطينية المُعترف بها دولياً. ثم، لولا ذلك التعارض أيضاً، لكانت قيادات «حماس» جربت التعامل بالإيجاب مع أي عرض إسرائيلي يحقق ولو بعض التقاط أنفاس للمحاصرين منذ تسلم الحركة حكم القطاع قبل ما يقرب من عشرة أعوام. تكرار اللاءات هو الأسهل، أما نعم المتحدية لعروض ساسة إسرائيل، بغرض تبيّن صدقيتها من زيفها، فهي الأصعب، وهي إن لم تنفع فلن تضر، ولن تقلل من شأن القيادات مقدار ذرّة.
في سياق ليس بعيداً عما سبق، لفتني قبل أيام عنوان «بلقنة سوريا» على غلاف عدد إبريل (نيسان) 2017 من تقرير «الديبلوماسي» الشهري، الذي يصدره ويحرره من لندن ريمون عطا الله، الصحافي اللبناني المعروف في الأوساط الصحافية والسياسية العربية. بعدما طالعت الملف المهم في العدد (شارك فيه كل من زبيغينيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر، والباحث الجيوسياسي البرازايلي بيبي اسكوبار) رحت أطالع بألمٍ تفاصيل خريطة تصدرت الغلاف وضعها المؤرخ السياسي البريطاني – الأميركي برنارد لويس لدولة سوريا المبلقنة، وقد جُزئت أربعة أجزاء، ثم وجدتني أتساءل، بحيرةٍ وأسى، ترى أيتوقف مشروع البلقنة داخل الأرض السورية، أم يواصل الزحف، فلا ينجو حتى حلم الدولة الفلسطينية المستقلة من بلقنة تفصل غزة عن رام الله نهائياً، بل الأخطر أن يُسمح لمخططات التقسيم أن تتسع، فإذا بفأس البلقنة يقع في الرأس ثم القلب، وإذا نحن أمام واقع بلقنة العالم العربي كله؟ دعونا نرجح كفة الأمل ألا ينجح هكذا شر يُراد بالعرب أجمعين. لكن الأمل وحده غير كافٍ. التعامل الإيجابي، التفكير المنطقي، ثم التطبيق العملي، تبقى هي أسس الطريق الأصح.

التعليقات

محمد
البلد: 
Australia
02/05/2017 - 23:40

يعني حضرتك تقترح مزيد من التنازل أمام اسرائيل فقط لمزيد من التجريب. هل أصبح التنازل أمام اسرائيل مقترح ووجهة نظر!

كاظم مصطفى
البلد: 
United States
03/05/2017 - 00:20

الوثيقه الاخيره لحماس والتي نصت اولا عن انفصالها عن حركة الاخوان المسلمين وقبولهم دولة ما بعد 1967 هي اعتراف ضمني من ان سياساتهم وانقلابهم على حركة فتح وحروبهم التي انهكت سكان غزه طوال عقود من الزمن كانت فاشلة
بكل المقايس السياسيه وليس امامهم اليوم الا ان يقدموا خالص الاعتذار لسكان غزه اولا وللشعب الفلسطيني عموما . كما ان اوثيقه بما فيها من تناقضات لن تجعل
منهم حركة او حكومة مقبولة لدى الرأي العالم العالمي

منصور حنا
البلد: 
مونتريال-كندا
03/05/2017 - 01:34

مهما قيل في وثيقة حماس السياسية من قبول بدولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 67 فإنها تأتي في الظرف المناسب، فهي أولا جاءت قبل زيارة محمود عباس المرتقبة إلى واشنطن، حيث ستعطي زخما لاستئناف عملية السلام في حال قيامها. وثانيا، الظروف التي تمر بها المنطقة العربية ، ما عادت فيها الأولوية للقضية الفلسطينية، ولذلك أصبح الدور للسياسة وسيلة لنيل الحقوق، بعد أن أعطت المقاومة الفلسطينية المسلحة أقصى ما تستطيع، وأصبح الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينة واقعا. التفكير المنطقي والعملي يفرض على الفلسطينين الاستفادة مما تحقق، والبناء عليه، وتوحيد الصف والموقف السياسي استعدادا لمواجهة سياسية قادمة مع اسرائيل، مما قد يزيل القلق من "بلقنة القضية الفلسطينة وفصل غزة عن رام الله".

أبو العبد
البلد: 
خان يونس
03/05/2017 - 08:30

أعتقد أن المصيبة الحقيقه في عالمنا العربي هو سوء الادارة والتفكير فالكثير من منا يبدأ من حيث بدأ الآخرون بدلا من حيث أنتهى الاخرين لكي يتعلم التجربة ويتجنب الاخطاء نتيجة للظروف الدوليه وضعف الامة العربيه وحرصا على ما تبقى من وطن كان قرار منظمة التحرير ولولا أن البعض معارض بقبول الدولة على حدود عام1967 وكانت إتفاقية أوسلو وبعد ثلاثون عاما من الدمار والقتل والخراب وتدمير لمقدرات هذا الشعب لتأسيس كيان لهذه الدولة يأتي من يقول قبلنا بذلك ولكن لا إعتراف بإسرائيل فهل من الممكن أن يكون الاتفاق فلسطيني فلسطيني فقط لحل المشكلة ونسيان الطرف الاسرائيلي مع أنه تاريخيا معروف أن إتفاق الاعداء أسهل بكثير من إتفاق الاخوة !!!!

الروائي خلوصي عويضه
البلد: 
فلسطين المحتلة
03/05/2017 - 11:09

مع أنني من مؤيدي التجديد منعا للتكلس أو التحجر والتقوقع المهلك للبلاد والعباد إلا أن وثيقة حماس لا تنطوي على تحول حقيقي قد يؤدي لإحداث اختراق مأمول يخفف ولو القليل من شدة لأواء ما يعانيه أبناء القطاع من ويلات فواضح أن ذلك لا يمثل هاجسا للحركة وليس للأسف ضمن أولوياتها وإلا لقدمت الصالح العام على مصالح الحركة ودفعت ثمن استحقاق وأد الإنقسام قبل تحقيق السلام وواضحٌ أيضاً أن المراوغة السياسية سمة العصر الذي تعصف به رياح الحيرة حتى بات يترنح من ضراوة وطأتها فغدا الأمل بغدٍ أفضل ضمن المعطيات الراهنة إلى الوهم أقرب منه للأمل شبيهاً بالسهل أو الممكن الممتنع والبلقنة غدت واأسفاه واقعاً مطبقاً نحياه بكل مآسيه فحسبنا الله ونعم الوكيل.

أبو فادي
البلد: 
فلسطين المحتلة
03/05/2017 - 11:28

أحييك على هذا التحليل المنطقي والعقلاني وأنضم إلى اسئلتك المشروعة التي لا نأمل الإجاية عليها في ظل المراوغة السياسية.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر