أسقطت الولايات المتحدة قنبلة فوق أفغانستان بالقرب من منطقة تدعى إتشن، ونجحت القنبلة الضخمة التي أسقطت من الطائرة في نسف عدد من الكهوف كان يستخدمها مقاتلو تنظيم داعش، وبعدها بقليل انفجر الإعلام.
كانت تغطية عملية التفجير باستخدام القنبلة، التي أطلق عليها اختصاراً اسم «مولب»، أشبه بخليط من الهستيريا والأفلام الرخيصة، حيث خرج المقطع الذي عرضه برنامج «فوكس آند فريندز» مصحوباً بموسيقى تصويرية وتسجيلاً للانفجار سجلته كاميرا الفيديو.
فبعد نحو 16 عاماً من اعتداء الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ما زلنا في الحرب بأفغانستان، وبلغ عدد القنابل التي أسقطها سلاح الجو الأميركي هناك 457 قنبلة خلال عام 2017 وحده. لكن ما ميز هذا التفجير عن غيره هو غرابته، ربما بسبب اختيار الاسم «أم القنابل». لكن يظل السؤال لماذا كل هذا الاهتمام بهذه القنبلة تحديداً، بينما الاهتمام قليل بالحرب الجارية هناك؟
نعم، القنبلة كانت كبيرة، فالقنبلة «موب» ذات قوة تفجيرية تعادل 11 طناً من مادة «تي إن تي» شديدة الانفجار، ولذلك فهي أقوى قنبلة في ترسانة الأسلحة الأميركية، وإن كان وزن القنبلة يزيد على 11 طناً. ويعد اختلاف نوع القنابل حسب نوع المهمة أمراً ضرورياً، لكننا نستطيع القول إن القوة التدميرية لقنبلة «موب» تعادل حاملة متفجرات من طراز «بي 52» تحمل 50 قنبلة زنة الواحدة 750 رطلاً. وتعد القنبلة «موب» بديلاً لنوع أقدم، وإن كان أقل تدميراً يطلق عليها «ديزي كاتر» التي استخدمتها الولايات المتحدة لمضاعفة قدراتها الحربية ثلاث مرات في حروبها في أفغانستان والعراق، ومؤخراً بكل تأكيد في أفغانستان.
تسببت قنبلة «موب» في صدمة، بل في رعب، للمراقبين هنا. فكثير من وكالات الأخبار أفادت بأن لقنبلة «موب» نتائج تعادل القنبلة الذرية التي استخدمت في هيروشيما. لكن هذا الكلام عديم المعنى، فقنبلة «موب» ذات قوة تفجيرية تعادل 11 طناً من مادة «تي إن تي»، فيما كانت قوة القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما أكبر من ذلك بنحو ألف مرة. وجرى تصحيح المعلومة في حينها، لكن نغمة المبالغة في التغطية الإعلامية لم تتغير.
لم تكن تلك القنبلة الأولى التي تسقطها الولايات المتحدة على أفغانستان، ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد. ففي يونيو (حزيران) الماضي، خفف الرئيس السابق باراك أوباما من القيود المفروضة على الضربات الجوية الأميركية، وذلك دعما للقوات الأفغانية، وكان ذلك قبل وقت قصير من بداية استهداف حاملة القنابل «بي 52» لمواقع هناك للمرة الأولى خلال عقد كامل. في الحقيقة، لم يلحظ كثيرون ذلك في الولايات المتحدة، على الأقل حتى قامت طائرة تابعة لسلاح الجو من طراز «إم سي 130» بإلقاء أول قنبلة «موب» على أرض المعركة.
ولأي سبب كان، جاء رد فعل الناس هنا وكأن القنبلة المستخدمة سلاح نووي، رغم أنها ليست كذلك، سواء في طريقة عملها أو في قوتها التدميرية. ويعكس جانب من ردود الفعل طبيعة اللحظة التي نعيشها الآن، فبعد حملة رئاسية طويلة ومريرة كان إصبع دونالد ترمب خلالها مثبتاً فوق الزر النووي وكأنه في اختبار لإثبات كفاءته لتحمل مسؤولية شغل أعلى منصب بالمكتب البيضاوي، تقلبت مواقف الناس وردود فعلهم بصورة واضحة. فالضربات الجوية في سوريا والتهديدات الموجهة لشبة الجزيرة الكورية تسببت في توتر لكثيرين، ربما أكثر مما يستحق الوضع.
لكن ثمة ظاهرة عميقة تهيمن على ما يجري، والمقصود هنا الطريقة التي نتخذ بها قرار حظر سلاح معين والسماح بغيره. فكثير من زملاء المهنة، الصحافة، لم يكونوا واضحين في تحديد موقعهم من الخط الفاصل بين السماح باستخدام قنابل «موب» وإلى من نوجه اللوم بشأن استخدامها؟ لكننا في النهاية قررنا أن تدمير هيروشيما ونغازاكي باستخدام الأسلحة النووية كان كارثياً، لكن استخدام القنابل الحارقة في طوكيو لم يكن كذلك. هذا هو المنطق نفسه الذي نعترض من خلاله على قيام بشار الأسد بقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال باستخدام الغازات السامة، بينما نسمح بقتلهم باستخدام القنابل التقليدية والصواريخ. في الحقيقة، إن مثل هذه الفوارق تعد اعتباطية؛ فعندما ينتج سلاح جديد يصبح من الصعب معرفة طريقة إدماجه داخل منظومة أسلحتنا الموجودة. لكن، عموماً، فإن عملية إنتاج الأسلحة تعكس كيف أن البشر قد حسموا خيارهم وقرروا التعامل مع حقيقة أن دول العالم ستستمر في حل نزاعاتها باللجوء إلى العنف. فمع تطور قدرتنا التكنولوجية في إحلال الدمار بالآخر، من مرحلة البنادق الآلية والغازات السامة إلى الأسلحة النووية، فقد لاحظ عدد غير قليل أن ميل البشر للجوء إلى العنف هو ما يعطل مسيرتنا. ورغم ذلك فإن وضع نهاية لفكرة الحرب تبدو غير مرجحة، وعليه فإن فشلنا في تحقيق ذلك الهدف النبيل ليس أقل من أن نعمل على حظر أكثر الأسلحة فتكاً، أي تلك التي تكون سبباً في معاناة غير مطلوبة أو مخيفة، والأهم هو تلك الأسلحة التي لا تفرق بين المقاتلين وغير المقاتلين. فإن كانت الخطوط الفاصلة لدينا غير واضحة المعالم، فذلك أفضل من ألا يكون لدينا خطوط على الإطلاق، وإن كانت قيودنا ضيقة، فعلينا أن ندرك أن هناك آخرين سيسعون لتوسيع نطاق تلك القيود.
لكن علينا رسم تلك الخطوط، لأننا ندرك أن قدرتنا على أسلحة دمار تتخطى وبدرجة كبيرة قدرة مؤسساتنا السياسية والاجتماعية على إدارتها. وأعتقد أن هذا ما قصده مارتن لوثر كينغ عندما تحدث عن العيش في عصر «الصواريخ الموجهة والرجال غير الموجهين»، فبراعتنا التكنولوجية تفوق حكمتنا.
وهذا هو السبب في أن كثيرين من مواطنينا ركزوا الأسبوع الحالي على تلك القنبلة بدلاً من البكاء على أفغانستان، وذلك لأننا لا نعرف سبيلاً لإنهاء تلك الحرب ولا لإنهاء غيرها من الحروب. ولذلك علينا الانتظار على أمل أن يجد قادتنا السياسيون حلولاً للمخاطر التي نواجهها، لكن الخوف كل الخوف هو أنه بينما ننتظر تلك الحلول منهم فسيظهر سلاح جديد تصعب السيطرة عليه ويقضي علينا في النهاية.
* خدمة «واشنطن بوست»
TT
«أم القنابل»... لماذا كل هذا الرعب؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
