صحيح أن الوضع في تونس يشكو من غموض متعدّد الأبعاد، وصحيح أيضاً أن المستقبل غير واثق في خريطة الطريق، التي يمكن أن تُتبنى في المستقبل القريب والبعيد في المجال السياسي، ولكن مع ذلك نعتقد أن هناك مبادئ يمكن الوثوق فيها وبناء مواقف مبدئية منها في الوقت الرّاهن.
من هذه المبادئ الواضحة أن النظام الجمهوري بدأ في تونس منذ الاستقلال إلى اليوم، ولقد عرف مسار بناء الدولة الوطنية تطورات بلغت درجة لافتة بخصوص تبلور قيم الجمهورية من خلال الدستور الذي تمت المصادقة عليه في المجلس القومي التأسيسي في مرحلة ما بعد الثورة.
لذلك فإن الدعوات التي قامت بها الحكومات التونسية منذ 2015 بخصوص رفع قضايا عدلية ضد حزب التحرير في تونس تندرج ضمن وجود شعور عام بأن حزب التحرير يمثل نشازاً في الحقل السياسي التونسي وهو ما يفسر الدعوات المتتالية للمطالبة بحظر نشاطه السياسي.
طبعاً يعد حزب التحرير من أعرق الأحزاب الإسلامية في تونس، وهو سابق لحركة الاتجاه الإسلامي قبل أن تغير اسمها لتصبح «حركة النهضة»، وهو معطى تاريخي نعتقد أنه بقدر ما يظهر عراقته فإنه في المقابل يكشف عن عدم نجاحه في التغلغل في التربة السوسيولوجية التونسيّة.
ولكن قبل أن نتوقف قليلاً وبشكل سريع عند المعوقات الذاتية لحزب التحرير التي تجعل وجوده مفتوحاً على السيناريوهات السلبية، أولاً وأساساً، نحدد مؤاخذات مكونات الحقل السياسي والمدني على حزب التحرير في تونس.
من المهم توضيح فكرة مركزية في أطروحة حزب التحرير، وهي أنه يطمح إلى إرساء «الخلافة الإسلامية» في تونس. ويمثل هذا الطموح نقطة الخلاف الكبرى. فتونس بلد يتبنى النظام الجمهوري وقانون الأحزاب الذي ينظم الحياة السياسية في بلادنا لا يسمح بوجود حزب مثل حزب التحرير الذي يرفض النظام الجمهوري ويعتبره نظاماً غربياً دخيلاً.
كما أن الدستور التونسي بدءًا من البند الأول الذي يصف تونس بدولة دينها الإسلام والعربية لغتها والجمهورية نظامها إلى آخر بند في هذا الدستور، لا يمكن لحزب التحرير أن ينشط في ظله، باعتبار أن الدستور هو الفيصل بين الجميع أحزاباً ومواطنين.
إذن نحن أمام حزب يتبنى طروحات ويقترح مشروعاً للتغيير الاجتماعي هو في قطيعة تامة مع خصائص البناء السياسي الثقافي للتونسيين.
وبسبب وجود هذه القطيعة البنائية فإن حزب التحرير يشعر أنه مستهدف من الحكومة ومن بقية الأحزاب، وتشعر الأطراف الأخرى أنها أمام حزب نشاز وخارج عن القانون والدستور ولا يمكن التواصل معه أو حتى القبول بوجوده؛ لأن في ذلك القبول اعتداء على أساس من أسس تونس، وهو نظام الجمهورية؛ فالحزب ضد الجمهورية ويشكك فيها.
والواضح في الحقيقة أن دعوات الحظر ظلت تعلو وتهبط وتظهر وتختفي في إحالة واضحة إلى وجود ارتباك في تحديد موقف من الحزب، خصوصاً أن الدعوة إلى حلّه ليست وليدة أشهر، وحتى ارتفاع النبرة ضد حزب التحرير مؤخراً، ليس بسبب الحزب في حد ذاته بقدر ما هي ملاحقات تنال بعض أتباع الحزب، وأغلب الظن أنها تندرج ضمن التجند الأمني في تونس الذي يندرج ضمن الحرب على الإرهاب.
من جهة أخرى، يبدو لنا أن الحزب المشار إليه، كما أسلفنا القول في الأسطر الأولى من هذا المقال، يمتلك معوقات ذاتية وموضوعية تمنعه من فرض وجوده وكأن مسألة وجوده حالياً رهينة الوقت لا غير. فبالنسبة إلى طبيعة المعوقات الذاتية فهي ناتجة بالأساس عن مشروع الحركة القائم على الدعوة إلى إقامة نظام الخلافة، الأمر الذي يجعل منها النبتة غير الصالحة للتربة المزروعة فيها، ومن ثم فإن إمكانية الإثمار بالمعنى السياسي غير واردة.
أيضاً أي معنى لحزب دون المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية؟ وهل يمكن لحزب أن يبرهن على وجود فعلي وهو رافض لقوانين هي وحدها تضمن سيرورة الفعل والمشاركة السياسيين؟
فحزب التحرير لا يمتثل لقانون الأحزاب وتوجهاته وفلسفته وشروطه، وهو ضمنياً لا يعترف به؛ لأنه قانون وقعت صياغته في ظل فلسفة نظام جمهوري.
أما النقطة الموضوعية التي أثقلت كاهل الحزب حسب اعتقادنا، فتتمثل في وجود تنظيم داعش الإرهابي والتمثلات التي تطبع العالم اليوم في التنظيمات المنادية بنظام الخلافة.
بمعنى آخر: لا مكان لحزب التحرير في مستقبل تونس تماماً كما لم يكن له من وجود حقيقي قانوني وفعلي ومشاركة سياسية في ماضيها وحاضرها.
إنه حزب يتعالى على الواقع والتاريخ ومسار المجتمع وتغيراته.. حزب لا يسمع الواقع ولا يُحاوره... حزب قائم على قطع التواصل.
11:8 دقيقه
TT
أي مستقبل لحزب التحرير في تونس؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
