تجاوز آثار الأزمة المالية الطويلة

تجاوز آثار الأزمة المالية الطويلة

الثلاثاء - 23 جمادى الآخرة 1438 هـ - 21 مارس 2017 مـ رقم العدد [13993]
في الوقت الذي كانت الأزمة المالية تحوم حولهما عام 2008، كان الخبيران الاقتصاديان كينيث روغوف، وكارمن راينهارت يعملان بجدّ في جمع الجداول والمخططات والرسوم البيانية التاريخية. وقد نشرا في عام 2009 الصفحة تلو الأخرى من كتابهما غير المدعم الذي كان يحمل عنوان «هذه المرة مختلفة: ثمانية قرون من الحماقة المالية»، والذي أصبح على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً بشكل غير متوقع.
يمكن تلخيص الرسالة الأساسية التي يقدمها الكتاب، إلى جانب هذا الكمّ الكبير من الجداول والمخططات والرسوم البيانية، على النحو التالي:
أولاً أن الأزمات المالية تحدث، ولطالما كانت تحدث لفترة طويلة عندما تراكم الحكومات، أو المصارف، أو المؤسسات التجارية، أو الأفراد كثيراً من الديون.
ثانياً يتبع هذه الأزمات المالية آثار اقتصادية تكون أكثر عمقاً، وتستمر لفترة أطول من حالات الركود المتنوعة.
أخيراً في النهاية تتحسن الأوضاع.
لقد أخذت نسختي من الكتاب من على الرف بعدما طلب عالم الاجتماع الذي يعمل حالياً في اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس الأميركي، ذلك على موقع «تويتر» بعد إعلان تقرير الوظائف القوي مؤخراً، حيث تساءل سكوت وينشيب على «تويتر» عن الذي كان لديه عودة بطيئة لكن بخطى ثابتة إلى الوضع الطبيعي بعد حالة ركود عميقة.
كتب سكوت وينشيب أيضاً على «تويتر»: «نعم، أعتقد أننا نستطيع أن نعطي ذلك إلى كل من راينهارت وروغوف».
كما نتذكر، وجد الاثنان، اللذان كانا أستاذين في جامعة هارفارد، نفسيهما في مواجهة جدل يتسم بالتشكيك عام 2013 عندما أعادت مجموعة من علماء الاقتصاد في جامعة ماساتشوستس في مدينة أمهرست الحسابات في ورقة راينهارت - روغوف عام 2010 وربطت بين ديون الحكومة، التي تزيد على 90 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وبين تباطؤ النمو، واكتشفت أنه بمجرد تصحيح «أخطاء الترميز، والاستبعاد الانتقائي للبيانات المتوفرة» سيختفي التأثير تماماً.
مع ذلك رغم عدم صمود هذا الاستنتاج، الذي توصل إليه كل من راينهارت وروغوف، لا ينبغي أن يتم استبعاد العمل بالكامل. وهذا ما حدث، حيث حظيت فكرة تفسير آثار ما بعد الأزمة المالية لأكثر ما نمر به بمؤيدين نافذين مؤثرين. وقد خصص كلاوديو بوريو، رئيس قسم النقد والاقتصاد في مصرف التسويات الدولية، المؤسسة الدولية للمصارف المركزية، خطاباً كاملاً لهذه الفكرة في واشنطن خلال الأسبوع الماضي. وجاء في ذلك الخطاب:
«لقد هيمن على العالم عجز عن السيطرة على حالات الازدهار المالي، التي بمجرد تحولها إلى ركود وكساد، يمكن أن تتسبب في دمار اقتصادي مستمر لفترة طويلة، وكساد عميق ممتد، وتعاف ضعيف ممتد، ونمو بطيء مستمر في الإنتاجية. تتسم هذه الدورات أو الحلقات المالية الكبيرة باضطرابات، وتأرجح في أسعار الائتمان، والأصول، خصوصاً أسعار العقارات، مع تأرجح المخاطرة مداً وجزراً. كذلك تطول مدة هذه الدورات عن الدورات التجارية (التقليدية)، فقد تتراوح على سبيل المثال بين 15 و20 عاماً، بدلاً من أن تتراوح بين ثماني وعشر سنوات».
يمكن النظر إلى هذا الرأي بشكل جزئي كإصلاح للطرح، الذي يقدمه بعض خبراء الاقتصاد المحافظين، ومنهم جون تايلور من جامعة ستانفورد بوجه خاص، وهو أن السبب الرئيسي لضعف التعافي من الأزمة في الولايات المتحدة، هو «كثرة اللوائح التنظيمية، وحالة عدم اليقين السياسي».
مع ذلك يقدم بوريو فرضية «الدورة المالية البطيئة» بديلاً لنظريات «الركود المزمن» القاتمة، التي طرحها وزير المالية السابق لورانس سامرز، وغيره. ويمكن شرح هذه الفرضية ببساطة من خلال القول إنه في عالم من الركود المزمن، يكون لدينا فقاعات مالية، وحالات ركود بسبب تباطؤ معدل النمو الاقتصادي. وفي عالم من الدورة المالية البطيئة، يحدث تباطؤ في النمو الاقتصادي بسبب هيمنة الاضطراب المالي على الاقتصاد.
وقد وصف روغوف نفسه، الذي يستخدم اسم «دورة الدين الكبرى» لما يشير إليه بوريو بـ«الدورة المالية البطيئة»، العلاقة بين الاثنين في مقال عام 2015 بقوله: «بوجه عام تمثل كل من دورة الدين الكبرى، والركود المزمن في الاقتصاد العالمي اليوم نظرتين مختلفتين للظاهرة نفسها، لكنهما غير مترادفين في الوقت ذاته. يتوافق نموذج دورة الدين الكبرى مع مائتي عام من الخبرة الخاصة بأزمات مالية مماثلة؛ في حين أن الرأي الخاص بالركود المزمن غير قادر على الإمساك بالأزمة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي، حيث لا تفسر التركيبات السكانية المتباطئة فقاعات أسعار وحدات السكنية، والانهيار الحاد فيها».
في النهاية يبدو الرأي الخاص بالدين - المالي أكثر مدعاة للتفاؤل. ومع تراجع تأثير الأزمة المالية، تتحسن احتمالات النمو بفرض عدم مواجهتنا لأزمة مالية أخرى. ويقول بوريو: «تؤكد فرضية الدورة المالية البطيئة أن الرياح المضادة المقبلة من جهة الركود مؤقتة، وإن استمرت لفترة طويلة. إلى جانب ذلك، قد يكون المرء متشككاً مثلي في التشاؤم التكنولوجي الذي يعبر عنه بعض المراقبين؛ مع ذلك من الصعب أن يكون المرء متفائلاً إذا ما نظر في (الثلاثية الخطيرة) التي تمثل، بدرجة كبيرة، إرث ما شهده العالم من حالات متعاقبة من الازدهار والركود؛ وهي نمو الإنتاجية المنخفض بشكل غير اعتيادي، ومستويات الدين العالمية المرتفعة إلى أعلى مستوياتها تاريخياً، والمساحة المحدودة المتاحة للمناورات السياسية».
لذا صحيح أنه ليس مقدراً لنا أن نظل عالقين في حالة تباطؤ النمو الاقتصادي هذه، لكننا سنمر بها في كل الأحوال.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر