محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

النكتة الصامتة

هل تستطيع أن تترجم هذه النكتة لأي لغة في العالم؟
- سأل أبو العروس أبا العريس: إنت جاي معو؟
- أبو العريس: أنا معو، وجيت معو، ومنطلب بنتك تصير معو.
- أبو العروس: طيب شو معو ما معو؟
- أبو العريس: من ناحية معو… حالياً ما معو، بس حيصير معو.
- أبو العروس: طيب هلق روح معو، وبس يصير معو تعا معو.
- أبو العريس: وبلكي ما صار معو؟
- أبو العروس: ساعتها الله معك ومعو.
المؤكد أنها لا تترجم؛ بل وحتى لو كتبت الحوار باللغة الفصحى، فإن حذقها سيتبخر. اللعب على الكلمات لن يكون له المفعول نفسه. لكن إذا تسلمتها بالبريد وضحكت طويلاً بسببها (كما آمل أن تكونوا فعلتم)، عادت إلى ذاكرتي حقيقة أن النكات هي أصعب ما يمكن ترجمته.
ذات مرّة مشيت وصديق لي من فندق «شيراتون الجزيرة» إلى فندق «شيراتون النيل» على الضفة الأخرى من النيل. هذه مسافة عشر دقائق أو أكثر قليلاً. وبعد قليل، بدأ صديقي بسرد نكتة روسية. وصلنا إلى مقصدنا وهو لا يزال يحكيها. نظرت إليه وقلت له: «أنا متأكد أنها أضحكت روساً كثيرين... لكنها لم تضحك سواهم».
العيب ليس في النكتة، بل في أنها نتاج ثقافي لا يتلوّن إلا لماماً. لذلك يضحك المرء أكثر إذا ما شاهد رسماً كاريكاتيرياً، لأن الرسم له دلالات وسمات عالمية مشتركة، لكنه لن يضحك على نكتة فرنسية أو سويدية أو حتى أميركية إلا إذا أحسنت ترجمتها. وحتى لو أحسنت ترجمتها، فإن المتلقي قد لا يفهمها أو لا يتأثر بها فيبتسم للملقي تأدباً.
حتى الأفلام الكوميدية الأميركية لا تنال بالضرورة إعجاب الآخرين. الثابت أن بعض الأفلام الكوميدية الأميركية، لنقل مثلاً «لا تفكر مرتين» و«سبانغليش» و«لماذا هو؟» و«الحياة السرية للحيوانات الأليفة»، وكلها من أعمال سنوات قريبة، لم تحقق نجاحاً من أي قدر في الأسواق العالمية. حتى في أميركا بعضها نجح قليلاً وغالبها مضى بلا أثر. فقط أفلام مختارة بعناية (مثل نصف أفلام وودي ألان) تنجح في إيصال نكاتها إلى جميع الثقافات.
لذلك صار تلقائياً، ومنذ عقود، مزج النكتة المروية نطقاً بالحركة، أو الاعتماد على الحركة أساساً، لأن الحركة لا تحتاج إلى ترجمة. هذا ما خلق بالضرورة الرغبة في الإضحاك حتى ولو أدّى ذلك إلى التهريج. والتهريج ليس فناً، بل ملاذاً للكوميدياً عندما تفلس وتفقد الثقة بنفسها.
هذا ما يقود إلى ملاحظة أعتقد أنها مهمّة: سبب نجاح تشارلي تشابلن وبستر كيتون في الكوميديا يعود إلى أنها آنذاك (في العقدين الأول والثاني من القرن الماضي) كانت صامتة. وكونها صامتة جعل الاعتماد على الحركة وحدها صعباً، لكن عبقرية كل منهما تجاوزت هذه الصعوبة وأنتجت أعمالاً لا تزال تثير الضحك إلى اليوم. وعندما تمت إضافة الصوت إلى السينما انتهى عصرها الكوميدي الجميل أو كاد... لا تشابلن استساغ الصوت، ولا كيتون وجد نجاحاً عبره.
كان غريباً لهما، ولآخرين، أن يروي الممثل النكتة نطقاً. والواقع أننا، ومن يومها، نجهد في سبيل ترجمة النكات من نوع «معو» و«ما معو» من دون نجاح.