الأربعاء - 3 شوال 1438 هـ - 28 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14092
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/06/28
loading..

القضية السورية في القبضة الروسية

القضية السورية في القبضة الروسية

الثلاثاء - 18 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 17 يناير 2017 مـ رقم العدد [13930]
نسخة للطباعة Send by email
أرخ التدخل الروسي العسكري في سوريا أواخر العام 2015 لمرحلة جديدة من علاقات روسيا بالقضية السورية؛ إذ نقلها من دور الداعم والمساند القوي لنظام بشار الأسد، إلى دور المتدخل المباشر في القضية، وصيرورتها طرفًا في الصراع السوري وفي الصراع الإقليمي- الدولي حول سوريا، وبحكم الوزن النوعي السياسي والعسكري الذي جعل نظام الأسد وإيران يوافقان على مشاركة روسيا في القضية السورية، ما لبثت روسيا، أن تقدمت لأخذ الدور الرئيسي في التحالف الثلاثي المعادي للشعب السوري.
ورغم أن الوجود الروسي في سوريا بدأ باعتباره قوة عسكرية، هدفها قلب التوازنات الميدانية التي كانت تميل لصالح المعارضة على الأقل في موضوع السيطرة على مساحات أكبر من الأراضي السورية، وقدرتها على منع تمدد تحالف الأسد مع إيران وميليشياتها في المناطق الخارجة عن سيطرتهما، فإنه سرعان ما أخذ يتمدد في مختلف جوانب القضية السورية، وكان الأبرز في هذا، تدخله في ثلاثة مفاصل أساسية.
الأول تحسين واقع وجوده ونفوذه على الأراضي السورية. وبعد أن كان الروس يسيطرون على القاعدة البحرية الصغيرة في طرطوس، حولوا مطار حميميم إلى قاعدة جوية لهم، وصار لهم وجود في أغلب المطارات السورية، وأقاموا عددًا من المعسكرات في مناطق الساحل، ثم أضافوا إلى ذلك جلب قطع من أسطولهم لترابط قبالة الساحل، وكله تزامن مع زيادة تدخلهم في الشأن السوري عبر ضبط سياسات حكومة الأسد في ثلاث من الوزارات السورية وهي الخارجية والإعلام والمالية، إضافة إلى وزارة الدفاع التي كانوا أحكموا السيطرة عليها عبر الاتفاقية، التي وقعوها مع النظام قبيل تدخلهم العسكري في سوريا.
والمفصل الثاني سعي الروس إلى ضبط الحركة المشتركة لتحالفهم الثلاثي مع نظام الأسد وإيران من الناحيتين السياسية والعسكرية بهدف تنسيق المواقف والتحركات والأهداف داخل سوريا وخارجها، وجرى تجسيده العملي من الناحية السياسية في مشاورات وزيارات متواصلة بين موسكو وطهران ودمشق، وعسكريًا من خلال التعاون والتنسيق في العمليات العسكرية وخاصة الكبرى منها، والتي كانت آخرها عملية حلب، حيث شارك فيها الثلاثة بأعلى فاعلية من أجل السيطرة على الجزء الشرقي من المدينة، وإخلاء التشكيلات المسلحة وأهالي المدينة منها.
والثالث، توسيع الدور الروسي في التعامل مع المعارضة السياسية والعسكرية، رغم أن الروس غالبًا ما وصفوا كل خارج عن نظام الأسد بأنه إرهابي، ووصفوا تنظيمات المعارضة كلها بالإرهاب، واندرج في سياق توسيع الدور الروسي في التعامل مع المعارضة سعيهم لإقامة علاقات مع بعض القوى خارج سوريا، فعقدوا لتنظيماتها عددًا من اللقاءات في موسكو وآستانة، وأقاموا اتصالات مع بعض رموز مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، وعلاقات مع تنظيمات بينها قوات الحماية الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ثم أضافوا إلى هذا النسق، قيامهم بخلق جماعات معارضة مرتبطة أو وثيقة الصلة بهم، فشكلوا ما بات معروفًا باسم معارضة حميميم نسبة إلى القاعدة الجوية، التي تتولى قيادة الوجود الروسي في سوريا.
والمفصل الرابع، سعي روسي لانتزاع تفويض واعتراف إقليمي ودولي بدور روسيا الأساسي في سوريا، والتضييق على أي دور يتعارض مع التوجه الروسي، وفي هذا السياق، كان رفض الروس التفاهم حول القضية السورية مع دول إقليمية بينها قطر وتركيا، بل رفضوا (مثل نظام الأسد وإيران) أي دور لهم بسبب موقفهم من نظام الأسد، وعززوا علاقاتهم مع كل من العراق وسوريا، ليكون موقفهما قريبًا من الموقف الروسي، إن لم يكن متطابقًا معهم، كما هو حال العراق، ثم دفعوا الولايات المتحدة لإعطائهم الدور الأساسي في سوريا، وهو أمر لم ترفضه الدول الأوروبية، التي طالما أكدت أنها مستقرة في موقفها تحت العباءة الأميركية، وأنها لا يمكن أن تتخذ مواقف في سوريا، تتناقض أو تختلف مع الموقف الأميركي.
لقد كرس تمدد روسيا في سوريا تقوية وجودها في القضية السورية، ثم جاءت معركة حلب الأخيرة لتدفع الدور الروسي نحو قفزة جديدة، وهو أمر لم تسببه النتائج العسكرية للمعركة فقط، بل عاملان آخران؛ أولهما نجاح الدور الروسي في رعاية المصالحات المحلية والهدن، التي تمت في المناطق المحاصرة، مما أعطى الروس فرصة لعلاقات مع المجتمع المحلي وقياداته من جهة، وفرصة للتعامل مع التشكيلات المسلحة من جهة أخرى، والثاني يمثله التحسن المطرد في العلاقات الروسية - التركية وانعكاساته على القضية السورية، وهي نقاط ثلاث، تسعى روسيا لجعلها قاعدة في خطتها لإحكام القبضة الروسية على سوريا، عبر توافق روسي إيراني تركي عبر عنه إعلان موسكو للحل في سوريا، ثم في وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في اجتماعات أنقرة مع تشكيلات المعارضة المسلحة، والاتفاق مع الأخيرة للذهاب إلى مؤتمر آستانة للتوافق مع نظام الأسد لوضع تصور للحل السوري، يتم اعتماده في اجتماعات جنيف بالرعاية الدولية.
وكما هو واضح، فإن الرؤية الروسية لمؤتمر آستانة في تطويع التشكيلات المسلحة وفي الحل السوري، لا تبعد كثيرًا عما تم في نموذج الهدن والمصالحات المحلية، حيث سيكون وفد المعارضة في آستانة أمام خيارين؛ إما الاستجابة لمطلب الحلف الروسي مع النظام وإيران بمصالحة مع النظام تبقي عليه، ومشاركته في الحرب على الإرهاب، أو الرفض بما يعنيه من اعتبارها جماعات إرهابية، ووضعها على قاعدة استهداف وجودها في إدلب وما يحيطها في أرياف حلب وحماه وحمص، في معركة قد لا تكون نتائجها بعيدة عن نتائج معركة حلب، مما يضع معظم سوريا في القبضة الروسية.