كل رجال الرئيس؟!

كل رجال الرئيس؟!

الأربعاء - 22 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 21 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13903]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

العنوان شهير بالطبع منذ كتاب كارل برنستين، وبوب وودورد، الصحافيين في «واشنطن بوست» لتلك الجماعة التي عملت مع الرئيس ريتشارد نيكسون، ووقفت وراءه في فضيحة ووترغيت (1974 إلى 1975) حتى استقال من منصبه. رجال الرئيس الأميركي ليسوا مثل كل الرجال الذين نعرفهم، وراء قادة الدول والذين يأتون من حزب سياسي، أو من «شلة» أو «دفعة» في الدول النامية. وفي العادة فإنهم هؤلاء الذين رهنوا حياتهم به، معتقدين في قدرته على الحكم، وعاشوا معه تلك الفترة الصعبة، للحملة الانتخابية. الولاء في هذه المجموعة يتفوق على كل العوامل الأخرى، والكفاءة عادة لا تحتسب، لأنه لا يمكن لرئيس الفوز بالبيت الأبيض إلا إذا كان حوله جماعة من الأكفاء. دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب، كان يريد أمرا إضافيا، وهو أن يكون رجاله من هؤلاء الذين لهم موقف مضاد من «المؤسسة»، والذين كان لهم ثورة عليها.
رجال الرئيس في العادة ينقسمون إلى جماعتين: جماعة تحتاج موافقة مجلس الشيوخ وهي التي تكون الحكومة وتقود الوزارات، بالإضافة إلى عدد من الهيئات العامة والمناصب التي يكون قائدها له منصب «وزير» (ويطلق عليه لقب سكرتير، فيقال سكرتير التعليم ومدير وكالة حماية البيئة). الجماعة الأخرى لها نفس الدرجة الوظيفية، وفي بعض الأحيان تكون الأكثر أهمية، وهم يعملون مباشرة وفي حالة التصاق مع الرئيس، وعادة ما تقاس درجة أهميتهم بمدى البعد أو القرب من مكتب الرئيس؛ وهؤلاء لا يحتاجون موافقة مجلس الشيوخ. بالطبع فإن هناك عددا كبيرا من «الموظفين» الذين يعيّنهم الرئيس ويصل عددهم إلى أربعة آلاف موظف وهؤلاء أيضا ولاؤهم للرئيس مطلوب، ولكن الأكثر أهمية دائما هما المجموعتان المشار إليهما سابقا. هؤلاء هم رجال الرئيس وبطانته وجماعته الخاصة الذين يقفون معه في الحملة الانتخابية للحصول على الولاية الأولى، ومن بعدها يعملون على إعادة انتخابه إلى ولاية ثانية، فإذا ما نجحوا حصلوا على الفرصة الذهبية للقب، والعلاقات مع دوائر أخرى في الشركات الكبرى، والمناصب العامة في الولايات خاصة تلك التي توفر موارد مالية طائلة.
الآن يمكن القول إن رجال إدارة دونالد ترامب هم خليط من الجنرالات الذين أغلبهم وقفوا معه بجسارة خلال الحملة الانتخابية، في وقت رأت فيه أغلبية المؤسسة العسكرية الأميركية أنه مغامر يفضل الابتعاد عنه؛ وجماعة من رجال الأعمال التي يراها ترامب أن لديها علامات خاصة بالعبقرية؛ بالإضافة إلى جماعة ثالثة من رجال ونساء الحزب الجمهوري الذين لهم تاريخ مع الحزب من ناحية، ولكنهم ثائرون على السياسات العامة الليبرالية من ناحية أخرى. ما يجمع الجميع أنهم بصفة عامة من «المحافظين»، ولكنهم نوعية خاصة من هذا الاتجاه الآيديولوجي. فهم ليسوا جماعة «المحافظين الجدد» التي صاحبت جورج بوش الابن، فهؤلاء كانوا من أصحاب النزعة الدولية التي ترى أن الولايات المتحدة منحها القدر حق قيادة العالم؛ كما أنهم ليسوا من المحافظين التقليديين أصحاب النزعة الانعزالية الذين يرون أن العالم فيه من الشر ما يستحق الابتعاد عنه. جماعة ترامب يطلق عليها «القوميون البيض» ذات المسحة العنصرية، والتعصب المسيحي حتى لو كانوا من غير المتدينين ولكنها مسألة ضد الديانات الأخرى؛ وخلاصة أمرهم «أميركا أولا» وهي نزعة مصلحية لا تقول الكثير، لأن معظم دول العالم تعتبر نفسها أولا، وإنما هي في الولايات المتحدة تعني إدارة علاقات غير متكافئة مع الآخرين انطلاقا من القوة والغنى والقدرة، وفي حالة ترامب بالذات فإن «المهارة» موهبة يعتز بها. هذه الآيديولوجية الأميركية، وهي واحدة من الآيديولوجيات الأميركية الذائعة، ولكنها تراجعت خلال العقود الأخيرة، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين منذ انتخاب الديمقراطي جون كنيدي في 1960، هي الآن العقيدة الرسمية للولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة على الأقل، وعلى من يتعامل مع الولايات المتحدة، أن يفتش في عقول رجال الرئيس لكي يصل إلى المدى الذي تصل إليه هذه الآيديولوجية، والأهم ماذا تعني عند التطبيق بالنسبة لمصالح الطرف المعني.
فاتحة اختيارات ترامب كانت كاشفة، وجميعها لا تحتاج موافقة مجلس الشيوخ، وهي ثلاثة: رئيس موظفي البيت الأبيض؛ والمستشار الاستراتيجي، ومستشار الرئيس للأمن القومي. رينس بريبس قبل أن يحصل على المنصب الأول كان رئيس لجنة الحزب الجمهوري المشرفة على الانتخابات؛ ورغم أن منصبه كان يحتم عليه الحياد بين المرشحين الجمهوريين، فإن كثيرا من المؤشرات تدل على أنه ألقى بثقله وراء ترامب منذ البداية، وكان هو الذي قبل ترامب كما هو بأساليبه الشعبوية، وبحكم خبرته فإنه سوف يكون حلقة الصلة بين ترامب والحزب الجمهوري، والأهم ممثليه في الكونغرس. الرجل محافظ بشكل عام، ويمكن القول إنه محافظ حسب ما يريد له رئيسه أن يكون بين أنواع المحافظين المختلفة. ولكن «الاستراتيجي» الأول لدونالد ترامب حل فيه ستيفن بانون، والمنصب لم يكن شائعا في الإدارات الأميركية السابقة، وفي الأغلب أنه سوف يكون الآيديولوجي الذي يراقب وضع «فلسفة» ترامب موضع التطبيق. وتاريخه الفكري يضعه بشكل كامل في دائرة العنصريين الذين يؤمنون بعظمة البيض، ويرون أشياء خاطئة لدى اليهود والعرب والمسلمين والأجناس غير البيضاء. وبعض من هذا، أو كله، حسب الموقف سوف نجده لدى مايكل فلين مستشار الأمن القومي الجنرال الذي كانت أهم التجارب التي صنعته ارتبطت بالحرب في أفغانستان والاستخبارات فيها، التي انتهت به إلى نوع من «الإسلاموفوبيا» التي عبر ترامب عن بعض منها خلال حملته الانتخابية.
الثلاثة سوف تكون مكاتبهم الأقرب إلى المكتب البيضاوي، أو الذين سوف يرون الرئيس يوميا، وعلى الأرجح سوف يشاركونه رحلاته الخارجية، وإلى جواره في معظم اجتماعات البيت الأبيض. هم الحرس الخاص، والدائرة الداخلية؛ وكلها مغلفة بإطار آيديولوجي فيه من الحماسة ما يأتي مع الرسائل المقدسة. وبعد ذلك فإن بقية رجال (ونساء) الرئيس سوف تكون لهم مساحة في تلك الرقعة الكبيرة المسماة المصالح الأميركية الخالصة التي يفترض فيها أنها سوف تجعل أميركا عظيمة مرة أخرى. ريكس تيلرسون وزير الخارجية جاء من «إكسون موبيل» لكي يخلق التفاهم مع روسيا على إدارة أزمات العالم والذي مهد له ترامب أثناء الحملة. وجيمس ماتيس وزير الدفاع سوف تكون مهمته هزيمة الإرهاب في العالم وخاصة الشرق الأوسط التي خبرها من قبل. ستيفن منشن الذي جاء من «غولدمان ساكس» إلى وزارة المالية لكي يدير العلاقات مع الاقتصاد العالمي وخاصة مع الصين، ومعه وليبر روس من ولاية نيوجيرسي في وزارة التجارة لكي ينفذ أحلام ترامب في الخروج من نافتا، أو تطويعها لحساب أميركا، وكذلك منظمة التجارة العالمية. وهكذا الحال مع كافة الوزارات، التي يمكن التعرف على الشرط الرئيسي للاختيار فيها، فسوف نجده تنفيذ واحدة من وجهات نظر ترامب أثناء الحملة الانتخابية في الهجرة أو في التعليم أو في الطاقة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو