هموم المثقفين الفرنسيين

هموم المثقفين الفرنسيين

الجمعة - 28 ذو الحجة 1434 هـ - 01 نوفمبر 2013 مـ رقم العدد [12757]
هاشــم صالــح
كاتب وباحث ومترجم سوري، يهتم بقضايا التجديد الدّيني ونقد الأصولية ويناقش قضايا الحداثة وما بعدها.

بادئ ذي بدء نتساءل: وهل للمثقفين الفرنسيين هموم يا ترى؟ إذا ما قارناها بهموم المثقفين السوريين أو العرب التي تقصم الظهر فإنها تعتبر ترفا ما بعده ترف، أو قل ناعمة جدا. فالمشاكل الأساسية حلت في فرنسا وبقية الدول المتقدمة منذ زمن بعيد. وأقصد بها مسألة الوحدة الوطنية وتحقيق المواطنة الكاملة بين مختلف فئات الشعب وحل المشكلة الطائفية المزمنة وتجاوز مخاطر التقسيم والحروب الأهلية والمجازر.. ناهيك عن الفقر المدقع الذي يهين الإنسان في كرامته، في أعمق أعماقه. كل هذا أصبح وراء ظهرهم. وهنيئا لهم هذا الحظ الذي لا يقدر بثمن. فقد تحسدهم عليه شعوب الأرض كلها. لكن هذا لا يعني أنه ليست لهم هموم على الإطلاق! إنها هموم ولكن من نوع آخر: هموم الحداثة وما بعد الحداثة. أما نحن فلا نزال نتخبط في هموم القدامة وما قبل القدامة! لم نتجاوز بعد عواقب الفتنة الكبرى التي مزقتنا والتي لا تزال تلاحقنا حتى اللحظة! ولكن على الرغم من ذلك فإن بعض همومهم تتقاطع مع همومنا. فنحن نعيش في عصر العولمة الكونية والمعلوماتية التي ألغت الزمن تقريبا والمسافات.. بل وحتى من دون عولمة فإن العالم العربي هو الأقرب إلى أوروبا وكان دائما في مواجهتها لأنه يقع على الضفة الجنوبية الشرقية من المتوسط، وهي تقع على الضفة الشمالية الغربية. وبالتالي فهناك تقاطعات مشتركة.

عندما رحت أتمشى في شوارع باريس طولا وعرضا أحسست بأني شخص جديد وكأني أكتشف هذه المدينة لأول مرة. أقول ذلك على الرغم من أني عشت فيها ثلاثا وثلاثين سنة متواصلة. تذكرت قول أبي تمام: فاغترب تتجدد. هل تجددت يا ترى؟ هل خرجت من جلدي أم أن نفسي القديمة تلاحقني في كل مكان ولا أستطيع منها فكاكا؟ هذا هو السؤال الأساسي والباقي تفاصيل. على أي حال، لكيلا تمل من أحد أو تكرهه غب عنه فترة طويلة. نفس الشيء ينطبق على الحب والعلاقات الغرامية. غب عنها فترة، أدر ظهرك لها بشكل تكتيكي خبيث تجدها تركض وراءك. هددها بواحدة أخرى تجدها تترامى على قدميك. والعكس صحيح أيضا. هي أيضا قد تهددك وتحرق أنفاسك! بالمناسبة أنا مؤسس «علم الغراميات الإرهابية» الذي لم يسمع به أحد حتى الآن ولم يخطر على قلب بشر. وأعتبر ولادة بنت المستكفي أكبر إرهابية في التاريخ. ولكن يشفع لها أنها قالت فيه هذين البيتين اللذين نادرا أن تقولهما امرأة في رجل:

أغار عليك من نفسي ومني

ومنك ومن زمانك والمكان

ولو أني وضعتك في جفوني

إلى يوم القيامة ما كفاني

شكرا ولادة. «معليش».. عفا الله عما مضى. من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. ولكن المشكلة أن حفيداتك كثيرات يا ست ولادة وكل واحدة تدوخ قارة بأسرها. متى سينتهي عصر المراهقات الكبرى؟ متى سأنضج أنا وأعقل وأصبح إنسانا محترما كبقية البشر؟

بعد هذا الكتاب عن شعراء الأندلس، لفت انتباهي كتاب المفكر السويسري جان زيغلر عن أسلحة الدمار الشامل. قد تتخيلون أنه يتحدث عن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية الفتاكة. لا، أبدا. إنه يتحدث عن الجوع الذي يحصد مئات الألوف يوميا في بلدان الجنوب المنكوبة بالويلات والحروب الأهلية والفقر المدقع. من يستطيع أن يشاهد على التلفزيون منظر المهاجرين الفقراء وهم يغرقون على شواطئ أوروبا؟ يرى هذا الباحث أن الغرب خان رسالة التنوير والنزعة الإنسانية التي يتبجح بها لأنه يعيش في البطر والناس تتضور جوعا. وبالتالي كفاك ثرثرات ونفاقات أيها الغرب المتغطرس! الكتاب الثالث الذي لفت انتباهي هو موسوعة ضخمة عن العلاقات بين المسلمين واليهود منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وقد أشرف عليه كل من المفكر التونسي المعروف عبد الوهاب المؤدب والمؤرخ الفرنسي المعروف أيضا بنيامين ستورا. وهو من أصل جزائري. وكلاهما عريق في اختصاصه. وقد ساهم في تأليف مواد الموسوعة ما لا يقل عن مائة وعشرين باحثا عربيا وأجنبيا. هذه الموسوعة الفكرية التاريخية تستعرض علاقات اليهود بالعرب والمسلمين منذ أيام النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - وحتى اليوم، أي وحتى الصراع العربي - الإسرائيلي مرورا بالعصر الذهبي للعلاقات في بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية، حيث ازدهر اليهود علما وفلسفة في ظل العرب المسلمين. أما الكتاب الرابع الذي فاجأني وملأ قلبي فرحا فهو للمستعرب الكبير أندريه ميكل. لقد وضع أندريه ميكل كل ثقافته الضخمة وتبحره العلمي الغزير في خدمة هذا الكتاب الفريد من نوعه. فقد أجرى عشر مقابلات خيالية مع الخليفة العظيم المأمون! من يصدق ذلك؟ لقد تموضع كليا في عصر المأمون وتخيل حصول هذه المحاورات الشائقة بين خليفة المسلمين من جهة، وعلماء الدين المسلمين والمسيحيين واليهود من جهة أخرى. هذا بالإضافة إلى شخصيات عديدة. وتركزت هذه المحاورات على مسائل مهمة جدا كالخلافات بين الأديان، والعلاقة بين العلم والإيمان، وتفسير النصوص المقدسة، بل وحتى مسائل الحب والعلاقة مع المرأة... إلخ. كتاب ولا أمتع، ولا أروع. إنه كتاب يكشف عن مدى الانفتاح الفكري للعرب المسلمين في ذلك العصر المجيد مقارنة بالانغلاق الفكري والعقائدي لهم في هذا القرن الحادي والعشرين. ضربة معلم! لقد عرف أندريه ميكل كيف يربط الماضي بالحاضر متسائلا عن سبب تدهور أحوال العالم العربي منذ العصر الذهبي، عصر المأمون العظيم، وحتى يومنا هذا. وفحوى رسالته في نهاية المطاف هو التالي: لقد وجد إسلام الأنوار في تاريخ العرب والمسلمين يوما ما، فلماذا لا ينبعث من رقاده مرة أخرى؟

شكرا للبروفسور ميكل على هذه الرسالة التفاؤلية.. ما أحوجنا إليها اليوم!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة