دلالات استهداف المقدسات: من المساجد للكنائس!

دلالات استهداف المقدسات: من المساجد للكنائس!

الأربعاء - 15 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 14 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13896]
يوسف الديني
كاتب سعودي

بادرة كان لا بد منها أن أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي تقدمه للجنازة الرسمية لضحايا تفجير الكنيسة أمام النصب التذكاري للجندي المجهول إضافة إلى إعلان وزارة الداخلية المصرية رفع حالة الاستعداد القصوى والاستنفار التام لقوات الشرطة، وذلك في أعقاب التفجير الإرهابي، الذي استهدف الكاتدرائية بالعباسية، والسؤال الذي يتم طرحه في مصر بعد كل استهداف للأقباط: متى سيتم الانتقال من رد الفعل إلى تبني مشروع مفصل للملف القبطي المتأرجح منذ عهد السادات واستبداله الإسلام السياسي باليسار؟
هناك متلازمة استهداف الأقباط في مصر باعتبار أن المجتمع المسيحي الأرثوذكسي بات هدفًا تاريخيًا للعنف المسيس الفوضوي ليس ما بعد الثورة بل من السبعينات مع تصاعد موجة الخطابات المتطرفة رغم كل الجهود لمعالجة الوضع القبطي من قبل الحكومات المتعاقبة، وربما كانت العلاقة بين الكنيسة ونظام السادات أكثر الأوقات حرجًا في العلاقة بين الدولة ومكون مهم وأساسي ليس على مستوى تأثيره على السياسة المصرية، وإنما أيضًا تحوله إلى ملف سياسي خارجي بامتياز باعتباره كرة لهب مشتعلة من السهل التفات الخارج إلى مصر عبرها، وتلك معضلة أخرى يعيشها العالم العربي مع الإرهاب، حيث استهداف الأقليات والتجمعات الدينية والتي بلغت مع «داعش» وأخواتها حدًا يتجاوز كل الخطوط الحمراء كما رأينا في استهداف المقدسات في السعودية والآن استهداف الكنيسة البطرسية بالعباسية عبر ذات التكنيك، وهو عملية انتحارية جبانة استهدفت الأبرياء لتصفية الحسابات مع الدولة.
الإشكالية مع ملف الأقباط تبدأ ولا تنتهي حيث تحول الملف إلى ملف مسيّس بامتياز، فبناء الكنائس وترميمها يخضع لاشتراطات الدولة، كما أن فرص هذه الكنائس في تطوير حدودها الأمنية واعتبارها ملاذًا سهلاً للإرهاب بحاجة إلى إعادة قراءة في القوانين القديمة لتصاريح وإدارة واستقلالية الكنيسة، وهو ما يعني أن التطوير المؤسسي للكنيسة يجب أن يوازي التطوير الذي نال مؤسسة عريقة كالأزهر واعتبار الاثنين جزءًا من مؤسسات الدولة المؤثرة في رعاية السلم المجتمعي.
من المتوقع عطفًا على دوي الجريمة النكراء التي حدثت بمصر أن يستغل الإرهاب مسألة حساسية الملف القبطي في مصر لشن المزيد من الهجمات، ولا يمكن حل ذلك إلا بإعادة قراءة الملف برمته وربطه بمسألة المواطنة الكاملة حيث التنوع الديني في مصر مكفول بيد الدولة، وعلاقة الدين بالهوية الوطنية ينبغي أن تحسم على مستوى القوانين والتشريعات بعيدًا عن ميزان الأكثرية أو الأقلية، وربما كان الاهتمام بالجماعات الأقلوية مضاعفًا إذا ما أدركنا أنه الثغرة التي ينفذ منها الإرهابيون مستغلين ارتفاع منسوب الصراعات الإثنية والطائفية داخل الدين الواحد أو بين الأديان المختلفة.
الأقباط في مصر هم أكبر كتلة من المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط ويشكلون سبعة في المائة من السكان في مصر أي قرابة 7 ملايين نسمة ومثل هذا العدد حين يتحول إلى كتلة مستهدفة يتطلب إجراءات جديدة فيما يخص حماية أماكن العبادة وتنظيمها. ورغم التسامح الكبير الذي يجب الاعتراف به من قبل عموم المجتمع المصري وخطاباته الدينية المعتدلة، فإن خروج الإسلام السياسي من المشهد وتحول بعض عناصره إلى جماعات متشددة وانزياح كوادر معينة إلى تنظيمات إرهابية كتنظيم داعش الذي ينشط في منطقة سيناء فإن من المحتم قيام مبادرة حكومية ومجتمعية لطمأنة الأقباط تحت مشروع وطني مشترك لدعمهم وحمايتهم منعًا لهجرة الكثير منهم إلى الدول الغربية.
في كل مرة تنبعث فيها أزمة ذات مسببات قديمة يتم التعامل معها على طريقة المفاجأة، وكأن ما حدث لم يكن متوقعًا أو في الحسبان، وهذا جزء من إشكالية عامة فرضتها طريقة قراءة الأحداث السياسية بأدوات إعلامية، وتحديدًا الفضائيات والإعلام الجديد الذي لا يفكر في الحدث أبعد من أرقام الضحايا والجهة المسؤولة ويوميات الحالة السياسية، وكأنها مقطوعة الصلة عما سبق.
هناك حالة قلق عادة ما تصيب الأقليات بعد كل عملية استهداف، لا سيما إنْ شعرت أنها خارج اللعبة السياسية، مما يسبب لها احتقانًا جمعيًا، سرعان ما ينفجر في شكل صدامات عنيفة لم تكن لتحدث لو كانت الحالة السياسية مستقرة، ومن نافلة القول إن الخطابات المتطرفة تستخدم شعارات دينية كمحدد لهويتها الشخصية الاجتماعية، أكثر من كونها التزامًا بتعاليم الدين بالمعنى الحقيقي له، كمرجعية لها ضوابطها ومحدداتها، وحتى آليات الفهم الذي عادة تنوء بحمله تلك الجماعات غير المؤهلة لأدوار سياسية، لكنها ناجحة اجتماعيًا، وهنا مكمن الخطر بسبب بساطة محتوى خطابها وقوة انتشاره.
هذه الأجواء القلقة تشهد الآن تصاعدًا محمومًا على مستوى ما يطرح من أفكار ومقالات، وأيضًا على مستوى إدارة الغضب والغليان في الشارع المصري، ليخرج عن كل مشاريع الحوار التي باتت أقرب إلى الدبلوماسية العامة، ويدخل في سجالات الخصومة التي تحول كل قضية خاصة إلى قضية رأي عام، عبر آليات التأليب والتجييش التي تقودها قيادات افتراضية في الفضائيات وشبكة الإنترنت، أصبحت بشكل صريح وواضح تملك زمام المبادرة في توجيه العامة، وهو الأمر الذي أفرز واقعًا جديدًا على المجتمع المصري الذي تعددت فيه مصادر التلقي والتأثير بشكل يقترب من الفوضى.
القفز على مفهوم المواطنة الذي يشعر به الأقباط، وهم محقون في ذلك، من مخلفات ومعلقات حقبة الرئيس أنور السادات الذي ساهم تحالفه مع الإسلام السياسي لضرب اليسار في عزلة الأقباط وتضخيم شعور الأقلية، ومحاولة استمالة أطراف خارجية، فهم أحد أكثر النماذج الأقلوية، فيما يخص المسيحيين العرب، في الاندماج والنجاح داخل مجتمعاتها، إذا ما قارنا ذلك بما لهم من تأثير وحضور في مرحلة ما قبل الثورة، بينما يمكن القول إنهم شبه غائبين في مرحلة ما بعد الثورة، ليس فقط عن التأثير، وإنما عن وعي التيارات السياسية الرئيسية التي لا تكاد تتحدث في رؤيتها السياسية المستقبلية إلا عن ملفات سياسية تتصل بالحكم أكثر من كونها تطمئن مكونات الشعب المصري، ومن أهمها الأقباط، حول المستقبل، ولو عبر مبادرات لتصحيح أخطاء النظام السابقة فيما يخص وضعية الأقباط ودور العبادة، وكل المسائل الفرعية التي يمكن وضع تصور حل لها يتعاضد فيه الأزهر مع البابا، وتدعمه باقي الأطراف السياسية، ويحميه المجلس العسكري في المرحلة الانتقالية، هذا التصور للحل هو ضمانة مهمة كي لا تنزلق مصر في أتون مشكلة التمييز الديني الذي قد يفاقم من تردي الحالة السياسية، ويدخل البلد في نفق مجهول لا يمكن تصور عواقبه، فإذا كان السودان البلد الجار قد عاش أسوأ حالة ارتباك إثني انتهى بانفصال دامٍ وتوترات ستترك آثارها طويلاً في المنطقة، فإن ارتباك الحالة المصرية بملف الأقباط ما زال يمكن السيطرة عليه بحكم حالة الاندماج الناجحة في المكون المصري الاجتماعي، الذي استفاد من مرحلة القومية في صهر تلك الاختلافات.
وفقت المملكة ودول الخليج بتصريحاتها السريعة والمباشرة على إدانة التفجير والوقوف مع الأشقاء في مصر، وأعتقد أن من المهم أن تبادر المؤسسات الدينية والثقافية الرسمية إلى اتخاذ ذات الموقف لأن أمن مصر جزء مهم ورئيسي من أمن المنطقة، وتظل الاختلافات السياسية في بعض الملفات أمرًا طبيعيًا وربما هي فرصة لتحرك إقليمي لمواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه وأهمها الأزمة السورية التي تبقى الدافع الأول لإنتاج العنف ردًا على مجازر النظام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة