ترامب أغرانا وخدعنا

ترامب أغرانا وخدعنا

الثلاثاء - 7 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 06 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13888]
بول كروغمان
اقتصادي اميركي

فاز دونالد ترامب بأصوات المجمع الانتخابي (وإن لم يفز بالتصويت الشعبي) استنادًا إلى قوة التأييد الكاسح من البيض من الطبقة العاملة الذين شعروا بأن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية دفعتهم إلى الخلف. الآن، فإن هذا الفئة على وشك أن تنال المكافأة على موقفها، وهي نفس المكافأة التي اعتاد عليها كل من تعامل مع ترامب ووثق بنياته خلال مسيرته، فقط فكروا في جامعة ترامب.
نعم فالفئة العاملة من البيض على وشك أن تتعرض للخيانة، والدليل على ذلك بات واضحًا في اختياره عددًا من الرموز الرأسمالية المناهضة للعمال لشغل المناصب الحساسة. وأهم الأخبار كان اختياره لتوم برايس - المعارض الشرس لبرنامج «أوباما كير» للتأمين الصحي والداعي إلى خصخصة الرعاية الصحية - لشغل منصب وزير الصحة والخدمات الإنسانية. قد يعني هذا الاختيار أن قانون الرعاية الصحية قد حكم عليه بالفشل، وأن أكثر أنصار ترامب حماسة سيكونون الأكثر خسارة.
فأول ما تحتاج لأن تفهمه هنا هو أن حديث الجمهوريين عن «الإلغاء والاستبدال»، أي إلغاء برنامج «أوباما كير» واستبدال آخر به، لم يكن سوى خدعة. فقد أمضى الحزب الجمهوري ستة أعوام يدعي أنه سيخرج ببديل لبرنامج «أوباما كير» للتأمين الصحي قريبًا ولم يفعل، والسبب هو ببساطة أنه لا يستطيع.
فـ«أوباما كير» يبدو الأنسب للأسباب التالية: لا تستطيع أن تغطي الأميركان ممن لهم سوابق مرضية من دون أن تطلب من الأصحاء التوقيع بالانضمام، ولن تستطيع أن تفعل ذلك من دون دعم كي تجعل كلفة التأمين محتملة.
فأي بديل آخر سوف يبدو إما مثيلاً لبرنامج «أوباما كير»، أو سيحرم الملايين من المواطنين ممن هم في حاجة ماسة له.
يوحي اقتراح برايس بأن إدارة ترامب في الحقيقة مستعدة أن ترى ملايين المواطنين يفقدون التأمين، وكثير من هؤلاء الخاسرين سيكونون ممن صوتوا لترامب.
تستطيع أن ترى بيانات الإحصائيات الرسمية خلال الفترة من 2013: 2015 التي تظهر تأثير التطبيق الكامل لبرنامج «أوباما كير»، فخلال تلك الفترة تراجع عدد الأميركيين غير المؤمن عليهم بواقع 13 مليون شخص، وهي فئة البيض ممن لا يحملون درجات جامعية، والذين صوتوا لترامب بنسبة اثنين إلى واحد، وكان إجمالي عددهم نحو ثمانية ملايين مواطن فقدوا التأمين. ولذلك فنحن ربما ننظر إلى نحو خمسة ملايين من أنصار ترامب، كثير منهم يعانون من مشكلات صحية مزمنة وحصلوا أخيرًا على تأمين صحي للمرة الأولى، والذين صوتوا لكي تصبح حياتهم أسوأ وأكثر وحشية وأقصر.
لماذا فعلوا ذلك؟ ربما لم يدركوا أن تغطيتهم كانت على المحك - فعلى مدار الحملة الانتخابية نادرًا ما تعرض الإعلام لتلك السياسة، أو ربما صدقوا تطمينات ترامب بأنه سوف يوجِد بديلاً لبرنامج «أوباما كير».
أيًا كان، فهم على وشك أن يتلقوا تنبيهًا فظًا، وسوف تكون نتائجه أسوأ بمجرد أن يدفع الجمهوريون بخططهم للأمام لإنهاء برنامج «ميديكير» الذي عرفناه، والذي يبدو ساريًا رغم أن الرئيس المنتخب قد وعد بألا يفعل ذلك.
فإن كنت تتعجب، فلا، فترامب لن يتمكن من استعادة الوظائف الصناعية التي فقدت على مدار العقود الماضية. ضاعت هذه الوظائف بسبب التغييرات التكنولوجية، وليس بسبب الصادرات، ولن تعود ثانية.
لن يكون هناك ما يساعد على تلافي الضرر الذي سيلحق بالعمال عندما يمزق الجمهوريون شبكة الأمان. هل ستكون هناك ردود أفعال سياسية تتجلى في صورة ندم على وجوه المشترين؟ ربما. بالتأكيد ستكون النصيحة للديمقراطيين بأن يضربوا بقوة وبلا توقف على خيانة ترامب للطبقة العاملة، لكننا في حاجة للتفكير في التكتيك الذي سيلجأ إليه للتعتيم على خيانته.
أحد هذه التكتيكات رأيناه في إعلاناته التفاخرية عن اتفاق للإبقاء على بعض وظائف شركة «كاريير» في الولايات المتحدة، والهدف هو تشتيت انتباه الناس بأشياء براقة مشرقة وتافهة. بالفعل، فمثل تلك الأساليب قد تنجح فقط حال كانت التغطية الإخبارية ساذجة وخالية من الأرقام.
لم يدافع ترامب عن شركة «كاريير»، لكن يبدو أنه قدم لها رشوة. فنحن نتحدث عن ألف وظيفة وسط اقتصاد ضخم، فلو أن ترامب أبرم صفقة واحدة بحجم شركة «كاريير» كل أسبوع، فسوف يحتاج ترامب 30 عامًا كاملة كي يوفر عدد الوظائف التي أوجدها أوباما في صناعة السيارات مثلاً، وسوف يحتاج إلى قرن كامل كي يعوض خسائر الوظائف في قطاع الصناعة منذ عام 2000.
لكن إن حكمنا على الصفقة من على السطح حتى الآن، وافتراضًا بأن الإعلام سيكون ساذجًا وغير محدد في ذكر الأرقام، فالرهان يبدو جيدًا.
لكن لو أن حقيقة أن العمال يفقدون الأرض التي يقفون عليها بدأت في الانهيار، فأخشى أن يفعل أنصار ترامب ما تفعله الحكومات المستبدة لكي تبعد الأنظار بعيدًا عن الأداء السيئ بأن تقول للناس: ابحثوا عن عدو بعيد.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة