شلي والذكاء والذاكرة

شلي والذكاء والذاكرة

الجمعة - 3 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 02 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13884]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
الذكاء مفهوم حيّر الفلاسفة والعلماء والشعراء أيضًا. كان في مقدمتهم الشاعر الإنجليزي الرومانتيكي شلي. رأى أن الذكاء ينطلق من الذاكرة، بل هو الذاكرة نفسها. المؤسف أن هذا الشاعر قد مات قبل أن يجد خير تطبيق لمقولته في سيرة الكاتب والأديب الإنجليزي توماس مكولي. نشر عدة كتب تاريخية منها «تاريخ إنجلترا»، واعتمد فيها على قوة ذاكرته وعمق ذكائه.
اعتاد خلال طفولته على مصاحبة والده في شتى المواسم والمناسبات الاجتماعية. وفي عصر أحد الأيام، وأثناء إحدى هذه الزيارات، وجد الصبي توماس نفسه أمام ملحمة «المنشد الأخير» التي لم يسبق له أن رآها من قبل. أخذ الكتاب معه وانزوى بعيدًا عن الكبار الذين انشغلوا بتبادل الكلام، وانهمك في قراءته. وعندما عاد إلى البيت جلس بجانب سرير أمه وراح يعيد على مسامعها أجزاء طويلة مما حفظه من تلك القصيدة الملحمية، طبعًا بقدر ما اتسع له من صبرها أو قدرتها على الاستماع.
سمع أحد أصحابه فيما بعد أنه قال: إذا وقعت كارثة تخريبية شاملة احترقت خلالها ملحمة ملتون «الفردوس المفقود»، وأسطورة بنيان «طريق الحجيج»، وأزيلت جميع نسخهما من وجه الأرض، فإنه سيستطيع أن يجلس ويعيد كتابتهما من ذاكرته حالما تنجلي الظلمة.
حدث له في عام 1813 أن جلس في مقهى عندما كان تلميذًا في كمبريدج ينتظر العربة التي تنقل التلاميذ. وأثناء انتظاره التقط جريدة محلية ضمت قصيدتين من الشعر الشعبي من تأليف شاعرين قرويين. كانت إحدى القصيدتين تحمل عنوان «تأملات لاجئ». أما الأخرى فكانت تقليدًا فظًا وبذيئًا لأغنية ويلزية ريفية باسم «ارهيد يونوز» تروي حكاية محلية عن مربي خيل فقد أنفه عندما عضه حصان في الإسطبل. ألقى مكولي الصغير نظرة سريعة عابرة على كلتا القصيدتين، ورمى بالجريدة جانبًا، وواصل سيره إلى مدرسته. ولم يحدث له مطلقًا أن رأى هاتين القصيدتين طوال الأربعين سنة التالية من عمره. جاءت مناسبة بعد كل تلك السنين، فأنشد كلتا القصيدتين من ذاكرته دون أن يحذف شيئًا منهما.
يروي أحد أصحابه أنه عندما كان توماس مكولي في الثالثة من عمره كان يجيد القراءة ومغرمًا بها. وحيثما ذهب والداه كان يسرع للبحث عن أي كتاب يقرأه، ثم ينزوي في زاوية يطالعه ويترك الكبار مشغولين بشؤونهم. ولم يُعرف عنه مشاركته في اللعب مع أطفال البيت.
رُويَت عنه حكايات كثيرة وعن قوة ذاكرته. والسؤال الآن: أين انتهت به ذاكرته؟ لقد خلف توماس مكولي عدة مؤلفات وارتقى إلى مركز عال في حزب الأحرار، ومثله نائبًا في البرلمان البريطاني. لم يرتقِ إلى منصب وزاري.
الواقع أن الأدب العربي يروي أيضًا كثيرًا من أمثال هذه الذاكرة العجيبة فيمن أصبحوا فيما بعد من عيون الشعر والأدب العربي. أبو العلاء المعري واحد منهم. حكي عنه أنه حفظ كلامًا بالفارسية التي لم يكن ملمًا بها، سمعه من مستطرق طارق، ونقل كامل الكلام لصاحب الدار الغائب عن داره عند عودته.

التعليقات

عادل
02/12/2016 - 06:19

كتبت اليك استاذ اكثر من مرة عن قابلية الحفظ عند العرب فلم تنشروها,و اعيد ذكرها الان.كان الخليفة المنصور يحفظ القصيدة من مرة واحدة يسمعها وكان له مملوك يحفظ القصيدة من مرتين يسمعها و كانت له جارية تحفظ القصيدة من ثلاث مرات تسمعها.كان المنصور عندما يأتيه شاعر ليلقي قصديدة بين يديه يقول للشاعر ان كانت قصيدتك مسموعة صرفناك و لم نعطك شيئا و ان كانت قصيدتك محدثة اعطيناك وزن ما كتبت عليها ذهبا فيوافق الشاعر و عند الانتهاء يقول له المنصور ان قصيدتك مسموعة فيتشدها له ثم ينادي على المملوك فينشدها ايضا ثم على الجارية فتنشدها ايضا و يخرج الشاعر صفر اليدين.لقد انتبه احد الشعراء الى القضية و حزرها و كتب قصيدة و جاء بها الى المنصور فقال له المنصور نفس الكلام, فأنشد الشاعر:صوت صفير البلبل...هيج قلبي الثمل-الماء و الزهر معا...مع حسن لحظ المقل-يتبع

فؤاد عكه
البلد: 
اسرائيل
02/12/2016 - 08:43

لا تنسى يا سيدي شاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري

عادل
02/12/2016 - 08:46

"تابع"و الكل كع كع كعن...خلفي ومن حويللي- لكن مشيت هاربا ...من غشية في عقللي-الى لقاء ملك ...معظم مبجل- يأمر لي بخلعة ...حمراء كالدململي- اجر فيها مأربا...ببغددن كالدلدلي.و هنا اصفر وجه المنصور ولم يحفظ منها شيئا فنادى على المملوك فأفهمه المملوك بالاشارة انه لم يحفظ منها شيئا وكذلك الجارية هنا قال المنصور للشاعر ان قصيدتك محدثة هات على اي جلد كتبتها لنعطيك وزنه ذهبا,هنا قال الشاعر يا امير المؤمنين لم اجد في البيت جلدا لكي اكتب عليه القصية بل وجدت قطعة مرمر عندنا من زمن جدي المرحوم فكتبت القصيدة عليه فأرسل معي ثلاثة رجال لجلب المرمر وهي امام قصرك الان لأن المرمرة لايحركها الا ثلاثة رجال هنا اغمي على المنصور فخاف الشاعر و اسفر عن وجهه بصورة تامة و قد نظر اليه المنصور و اخذ يضحك و قال ها قد عملتها يا اصمعي ,كيف حال اهل البصرة.

حسان التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
02/12/2016 - 21:11

نعم ان هنالك الكثير من الناس الذين يحفظون من مرة واحدة وقد انتابني دهشة كبيرة عندما طلبت جهات معنية ، قبل أربعين عاما ، من قريب لي بأن يذكر الشجار الذي دار بين.شخصين إنجليزييين لا يتكلمان سوى اللغةالانجليزية وليس هنالك من شاهد سواه ، فذكر لهم حديث كليهما إلى الاخر ،علما بأنه لا يعرف اللغة الانجليزية

السراج
02/12/2016 - 23:03

كان بعض السلف يقول (العلم الحفظ )ومعروف ان اكثر علماء الحديث والفقة كانوا من اقوى الناس حفظا وذاكرة .
وكانوا يحفظون الاحاديث باسانديها حفظ وقد يحفظ احدهم عشرات الالوف منها او اكثر .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة