تحول الولايات المتحدة في مواقفها تجاه السعودية، وبعث أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) من مرقدها لتحميل الكيان السعودي كله مسؤولية هذه الجريمة، والسماح لعائلات ضحايا 11 / 9 بمقاضاة السعودية، والدعم الأميركي لإيران في توسعها الإقليمي، ومحاولة خلخلة الموقف السعودي وتحالفها الإسلامي في اليمن ضد براثن النظام الإيراني، وتخاذل بعض «الأشقاء» في مواقفهم تجاه سياسة المملكة حول الصراع في سوريا، والدعم الإعلامي في هذه الدول لبشار الأسد وتصويره «مقاتلاً» مجتهدًا في خطوط الجبهة المتقدمة ضد الإرهاب والإرهابيين، وتحريك بعض الجهات لعزل السعودية آيديولوجيًا عن العالم السني، وتصوير السلفية أو ما يسمونها بالوهابية على أنها فرقة مارقة عن الإجماع الإسلامي السني، وتسليط بعض الأقلام العربية، وبعضها من داخل المنظومة، لتنخر في مرجعية الدولة السعودية.. كل هذه المواقف عبارة عن حلقات في سلسلة واحدة لا يمكن عزل بعضها عن بعض، والغاية البعيدة الدفع بالمملكة لتكون هدفًا سهلاً لاستراتيجية الفوضى الخلاقة.
ولعل أكبر مؤشرات خطورة تغير الموقف الأميركي تجاه السعودية أن السماح لعائلات ضحايا جريمة 11 / 9 بمقاضاة الدول الأجنبية، وبالتأكيد منها السعودية، جاء بعد فترة وجيزة من تبرئة الاستخبارات الأميركية السعودية وعددًا من مسؤوليها وبعض مؤسساتها المالية والخيرية من تهمة دعم الإرهاب، مما يدل على تغير جذري في السياسة الأميركية وإصرار على المضي قدمًا في إضعاف الموقف السعودي الذي تمكن وفي فترة وجيزة من بناء تحالفين؛ أحدهما ضد الإرهاب الحوثي في اليمن، وآخر دولي ضد الإرهاب في المناطق الملتهبة في العراق وسوريا.
لم يشفع للسعودية أنها اكتوت بنار الإرهاب، ولا أنها حاربته في داخل المملكة وخارجها وسجنت عددًا كبيرًا ممن تورطوا في الإرهاب أو حملوا جرثومته، وتحملت من أجل ذلك نقدًا داخليًا وخارجيًا لم يتوقف، ولا أنها راجعت مناهجها التعليمية وأعملت القلم الأحمر شطبًا وإضافة وتعديلاً فقط لأن فيها ما يتصور بأنه من مظنات التشدد، كما لم تكترث أميركا والغرب بعد أن أغلقت السعودية عددًا من المؤسسات الخيرية في قرار صعب لم تتخذه أية دولة خليجية أخرى، ولم تهتم أميركا بدقة بل تشدد السعودية في مراقبة الحركة المالية في الداخل والخارج، ومن ثم ضبطت التحويلات الخارجية، وقنّنتها، وتشددت مع البنوك للحيلولة دون تسرب التبرعات لجهات متشددة وإرهابية أو حتى مشتبه فيها.
إذًا ما الذي تتطلبه المرحلة الحالية في ظل هذه المعطيات والمتغيرات التي أربكت التحالف القديم، وجعلت المملكة تبدو مكشوفة الظهر في مواجهة تحديات إقليمية ودولية غير مسبوقة؟ أولاً من الخطأ إكثار اللوم والنقد والهجوم على السياسة الأميركية تجاه المنطقة ككل وتجاه السعودية على وجه الخصوص، فالمصالح كما تقول أبجديات الحُكم هي التي توجه السياسة وليس العكس، والواجب توظيف هذه المتغيرات لتغيير استراتيجية المملكة بتقوية البنية التحتية اقتصاديًا وعسكريًا، بما يقلل الاعتماد على الجهات الأجنبية، كما يتطلب تقوية الجبهة الداخلية، وهذا عمل كبير يحتاج إلى حسن تخطيط وجودة في التنفيذ، وثانيًا تقليل الاهتمام البالغ في مواصفات الإرهاب ومقاييسه التي تطالب أميركا بتطبيقها، فالمنع والحظر والتشديد لم يؤدِ إلى «الرضا» الأميركي كما أشار المقال آنفًا، وأضعف من جهة أخرى المؤسسات الخيرية السعودية التي تعتبر أذرع العمل الخيري للمملكة، وهذا لا يتناقض مطلقًا مع الضبط والمراقبة والمحاسبة.
10:10 دقيقه
TT
تكالب الأمم على القصعة السعودية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
