إميل أمين
كاتب وباحث مصري مختص في الشؤون الدولية. ألف عدداً من الكتب والدراسات في الشؤون السياسية.
TT

أوروبا والإسلام.. حقائق في وجه العنصرية

طرحت الأحداث المأساوية التي جرت في القارة الأوروبية الأشهر القليلة الماضية علامة استفهام عن العلاقة بينها وبين الإسلام، فكرًا وحضارة، بل شعوبًا وثقافات، وهي علامة من الأهمية بمكان أن نتوقف أمامها، ونحاول في تؤدة أن نقرأها بعين الموضوعية، لتبيان سنة الله في خلقه، أي التنوع الذي يثري وليس ذاك الذي يدفع الناس إلى طريق التناحر والاقتتال، أو التعصب الأعمى.
التساؤل ليس ثقافيًا فحسب، بل سياسي بالدرجة الأولى، وأهميته تتعاظم مع موجة المهاجرين العرب والمسلمين التي عرفتها أوروبا العامين الماضيين، على نحو خاص، وأضحى الحديث عنهم يتجاوز مسألة الهوية العرقية والانتماء الطائفي، ليصل إلى حالة العلاقات السياسية بين أوروبا ودول العالم العربي، التي كانت تاريخيًا علاقات وثيقة منذ قرون طويلة، وها هي تتعرض لاختبار قاس يحتاج النظر إلى مآثر الماضي وتجاربه الجيدة، والتطلع إلى مستقبل أكثر أريحية وأعم تعاونًا وأرحب فكرًا من أزقة التعصب وحارات الآيديولوجيات البغيضة.
يعن لنا أن نتساءل بداية كيف غذت الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس التراث الأوروبي المسيحي؟ وكيف تغذت منه في آن معًا، لتنشأ تلك الحضارة الأندلسية التي تبقى فريدة في تاريخ الإنسانية؟
لقد انتشر الإسلام بين الثلث الأول من القرن السابع ومنتصف القرن الثامن في مناطق أوروبية شملت معظم شبه الجزيرة الإيبيرية، وقسمًا من فرنسا، ليبدأ تاريخ كوني ساده نسيج حضاري واحد بين مختلف شعوب العالم المتوسطي.
من أفضل من تناول هذه الإشكالية بأبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية، كان المستعرب الإسباني البروفسور بيدرو مارتنيث مونتابيث، الرئيس السابق لجامعة مدريد، والمستعربة الإسبانية البروفسورة كارمن رويث برافو، الأستاذة السابقة في قسم الدراسات العربية والإسلامية، في الجامعة نفسها، وقد قدما لنا مؤخرًا رؤية إنسانية حضارية بعيدة عن الكراهية والعنف، ومجانبة لرفض الآخر وإقصائه أو عزله، عبر كتابها «أوروبا الإسلامية.. سحر حضارة ألفية».
الكتاب تمت إعادة طبعه، إذ صدرت نسخته الأولى في إطار الاحتفال بالذكرى المئوية الخامسة لسقوط غرناطة (1492م)، آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية.
لم يكن عام 1492م زمنًا حاسمًا في تاريخ إسبانيا فحسب، بل كان حاسمًا في التاريخ العالمي أيضًا، وذلك نتيجة حدثين استثنائيين وقعا فيه؛ الأول هو اكتشاف أميركا الشمالية، والثاني هو نهاية ما سمي «إعادة الغزو» (بحسب التعبير الأكثر شيوعًا واستخدامًا).. لماذا كان هذا العمل؟
لأنه شاهد على واقع تلك المرحلة التي تميزت بالإصرار على حوار ثقافي واجتماعي حقيقي يستحق أولاً وآخرًا أن يوصف بالإنساني، ولأنه يتناول جانبًا أساسيًا من جوانب الحياة في أوروبا، لم يحظ بالقدر الكافي من الدرس والتدقيق مثل سواه.. إنه الإرث الذي تركته الحضارة الإسلامية وثقافتها في أوروبا، وهو إرث ذو طابع خاص ومبتكر، يتميز بتنوعه، فضلاً عن عظمته وديمومته. لذا ركز مؤلفا هذا الكتاب على التعريف بأهمية هذا الحدث التاريخي الذي جمع الإسلام وأوروبا.
وهو من خلال هدفه هذا تناول أهمية الإرث الحضاري الثقافي الإسلامي، في محاولة لإبراز طابعه ومدلولاته المادية والرمزية التي لا تزال قائمة في أوروبا بعامة، وفي إسبانيا بخاصة.
هنا كذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب كتب وصمم في إسبانيا، وتحديدًا في شبه الجزيرة الإيبيرية أو «هسبانيا»، وهذا ما يعبر عن نهج ذاتي وخاص جدًا في وصف طبيعة العلاقة التي نشأت بين أوروبا والإسلام، أو بحسب التسمية المتداولة والمختزلة للأمور بين الغرب والشرق.
لماذا النظر إلى إسبانيا بالذات يعتبر نموذجًا ينبغي على أوروبا اليوم أن تجتذبه في تعاطيها مع مسلميها في الداخل والخارج على حد سواء؟
الجواب، لأن إسبانيا هي البلد الأوروبي الذي ترك فيه إرث الإسلام وطابعه، وبخاصة في صيغته العربية أو المستعربة، تأثرًا أكبر من غيره من البلدان الأوروبية، حتى إن هذا التأثير كان أكثر ثباتًا.
ولئن كنا نشدد على أهمية هذا الحدث، فليس لأن هذا الإرث كان ذات سمات مميزة، أو لأنه أثر لحضارة باقية فقط، وإنما لما حمله هذا الإرث من حقائق وابتكارات أيضًا، فذلك كله مثبت في التعابير المختلفة، فيما هو مادي أو رمزي، في الفضاء التاريخي الفعلي أو في الفضاء التخيلي.
تبقى الأندلس الفضاء الذي يعبر بالأمثلة الدافعة عن هذا الحدث المميز، ويبرهن عنه ويختصره الفضاء الذي يحدد الموقع والمكانة البارزين اللذين تحتلهما إسبانيا (شبه الجزيرة الأيبيرية).
هل من حقيقة نهائية لا بد للقائمين على شؤون أوروبا اليوم من إدراكها؟
المؤكد أن الإسلام لطالما شكّل بالنسبة إلى أوروبا المسيحية ذاك «الآخر»، وأنها - أي أوروبا - تعاملت معه كما تعاملت مع آخرين، وهذه حقيقة تم حجبها، سواء بإغفالها أو بالتغاضي عنها. أما الملاحظة الثانية والأساسية فهي أن أوروبا لم تعرف إسلامًا واحدًا، وأن الإسلام أيضًا لم يعرف أوروبا واحدة، بحيث أخذت الانطباعات الذهنية بالاتجاهين كما الرؤى التي تولدت عنها هذه الانطباعات أخذت تظهر انطلاقًا من واقع متعدد الوجوه ومتباين جدًا، سواء في داخل أوروبا أم في خارجها.
والخلاصة أن أوروبا اليوم في اختبار حقيقي تظهر فيه مدى ولائها لتاريخها وعراقتها وحضارتها في تعاطيها مع مسلمي البلاد ومسلمي العالم تعاطيًا إنسانيًا خلاقًا يرتكن إلى التراث الإسلامي في أوروبا، ولا يلتفت إلى أصوات العنصريين الذين يتطلعون لملء أرجاء القارة الحضارية كراهية وقتلاً وعنفًا.