سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

الجنرال ديلا روفيري

لم تأخذ السينما الإيطالية والفرنسية الحجم الدولي الذي اتخذته السينما الأميركية، أو الحجم التجاري الذي اتخذته السينما الهندية، لأنهما في الغالب ركزتا على العمق الاجتماعي. وغالبية الناس تريد من السينما السلوى، لا التفكير. وفي الآونة الأخيرة أصبحت أعثر على الأفلام «الفكرية» القديمة في أرشيف الرحلات الجوية الطويلة.
شاهدت قبل حين، من جديد، فيلم المخرج الإيطالي روبرتو روسيلني «الجنرال ديلا روفيري». ويحكي قصة لصّ صغير في نهايات الحرب العالمية الثانية، يعتقله رجال الغستابو الألماني، ويرغمونه على انتحال شخصية أحد أبطال المقاومة الإيطالية، الجنرال ديلا روفيري، لكي يتمكن من انتزاع المعلومات من السجناء السياسيين.
غير أن الرجل المحتال أتقن الدور لدرجة أن السجناء الآخرين اعتبروه حقًا بطلهم المثالي. وهكذا، راح هو أيضًا ينسجم مع شخصية الرجل الذي يدّعيه. وفي النهاية رفض أن يخون ثقة رفاقه، فحُكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص، ومات على أنه حقًا الجنرال ديلا روفيري.
كل واحد منا يريد أن يصبح الشخصية التي يريدها الآخرون منه. في البداية يريدك الوالدان أن تكون ابنًا متفوقًا، ثم يريدك الأبناء أن تكون أبًا مميزًا. في كل الحالات، وفي كل المراحل، يجب أن تبذل جهدًا لكي تسبق نفسك. وإلا فإن ضميرك سوف يؤنبك عندما يحاصرك بمشاعر الندم. فأنت لست روفيري المزيف، بل روفيري الحقيقي. لأنه في الواقع ليس من روفيري مزيف. وحتى اللص الصغير يكتشف أنه من الأفضل أن يكون الخبر حقيقة، لا تمثيلية.
حتى في أقسى قساوتهم لم يستطع رجال الغستابو أن يسخروا السجناء أو اللص. لا شيء يغري بالتعاون مع الاحتلال حتى رتبة الجنرالية، على لصّ صغير، أمضى عمره في سجون النشالين واكتشف فجأة معنى أن يكون الإنسان سجينًا من أجل بلاده.
على نحو ما، نكتشف أن الأشياء الكبرى بناها الخاسرون، أو كما قال برنارد شو: الناجح يكيف نفسه مع العالم، والخاسر يريد من العالم أن يكيف نفسه معه. المقصود بذلك الخاسر البطل. الجنرال روفيري، الذي تتجاوز جرأته بطش أعتى القوى في التاريخ (الغستابو). هؤلاء هم الذين ربحوا الحرب ضد الاحتلال في إيطاليا وفرنسا، وليست دبابات «البانزر» النازية.
متعة مشاهدة الأفلام القديمة مثل متعة قراءة الكتب الكلاسيكية. كل مرة يخيل إليك أنك تقرأها للمرة الأولى. كل مرة تشعر - بفرح - أنك قارئ جديد أمام كاتب جديد. شجرة تثمر كل عام. وتبرق ثمارها كل عام، وتنسيك أن عامًا قد مضى.