فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

مسعى حميد

اجتمع حشد من الفلسطينيين والسوريين الأسبوع الماضي في مدينة عينتاب التركية. وكان هدف الاجتماع تأسيس تجمع فلسطيني – سوري، يعيد ترتيب علاقات الفلسطينيين السوريين بالقضية السورية في ضوء ما جرى في سوريا عبر السنوات الماضية، واحتمالاته المستقبلية في ضوء حقيقة أنهم عاشوا بل إن أغلبهم ولد في سوريا، وأنهم بمعنى من المعاني جزء من نسيجها، ويعنيهم حاضرها ومستقبلها، وهم في الحالتين ينبغي أن يكونوا حاضرين ومشاركين.
والحق، فإن أحاسيس هذه المجموعة من فلسطينيي سوريا وشركائهم السوريين، ليست طارئة، إنما أصيلة. وتحركها باتجاه تشكيل كيان شعبي، له توجهات سياسية، يؤكد أن علاقتهم بالقضية السورية، ومستقبلها مرتبط بثلاثة عوامل أساسية، أولها ما تعرض له الفلسطينيون ومخيماتهم من جرائم وارتكابات في السنوات الماضية من جانب نظام الأسد وحلفائه وخاصة مرتزقة بعض التنظيمات الفلسطينية من جهة وعلى أيدي الجماعات الإرهابية المتطرفة من «داعش» والنصرة، حيث تشارك الجميع في قتل واعتقال وموت تحت التعذيب وتهجير فلسطينيين، وكان أبرز تلك الجرائم ما حدث في مخيم اليرموك الذي تعرض لحصار كثيف وتدمير منذ نحو أربع سنوات ولا يزال.
والعامل الثاني، وقوف بعض من التنظيمات الفلسطينية إلى جانب نظام القتل والإرهاب، وهو ربما أدى للإيحاء وكأن الفلسطينيين، يناصرون جرائم الأسد وحلفائه بما فيهم إيران وروسيا ويؤيدون السياسة الإجرامية ضد الشعب السوري، الأمر الذي يتطلب، أن يكون للأغلبية الفلسطينية في سوريا صوت يعبر عنها، ويعلن موقفها إلى جانب السوريين وسعيهم من أجل الحرية والكرامة، بصورة تنسجم مع نضال الفلسطينيين من أجل قضيتهم وحلها العادل في العودة إلى وطنهم وإقامة دولتهم المستقلة.
والعامل الثالث، التدهور المتزايد في أوضاع الفلسطينيين سواء في داخل سوريا أو في بلدان الشتات الجديدة والذي لا ينفصل عما صارت إليه أوضاع عموم السوريين في الداخل والخارج، وربطه بما سيؤول إليه مستقبل سوريا وسكانها بمن فيهم الفلسطينيون باعتبارهم من الناحية الواقعية جزءا من «السوريين» إلى حين عودتهم إلى وطنهم فلسطين.
وسط تلك العوامل جاء انعقاد المؤتمر التأسيسي للتجمع الفلسطيني السوري الحر، ليحدد الإطار السياسي لوجوده، ويرسم الأهداف التي يعمل من أجلها، وهو ما تم الاشتغال عليه في الوثيقة السياسية، وشقيقتها الوثيقة التنظيمية، وقد رسمت الأخيرة طبيعة العلاقات الداخلية في التجمع، ومسؤولية المراتب التنظيمية من المجلس المركزي إلى المكتب التنفيذي الذي يدير نشاطه منسق عام للتجمع.
ورأت الوثيقة السياسية، أن التجمع يضم فلسطينيين وسوريين من «المؤمنين بأهداف الثورة السورية»، وأكدت أن فلسطينيي سوريا «يشكلون جزءًا فاعلاً من نسيج المجتمع السوري، وشريكًا في وحدة التاريخ والكفاح والمصير»، ويسعون إلى «حماية وجودهم السياسي والقانوني»، عبر «منحهم حقوق المواطنة الكاملة أسوة بالسوريين، بما لا يتعارض مع حقهم التاريخي في العودة إلى ديارهم الأصلية في فلسطين، وبما يصون انتماءهم الراسخ للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية». وأوضحت الوثيقة، أن رؤية التجمع «تؤكد الترابط الجدلي بين الكفاح التحرري للشعبين الفلسطيني والسوري، وكفاح قوى التغيير في المنطقة العربية، وما يفرضه من مهام عملية»، ولا سيما في تعزيز الصمود في وجه النظام، و«بناء سوريا الجديدة».
ورسمت الوثيقة «المبادئ الأساسية للتجمع» وأبرزها مشروعية الثورة وبناء دولة المواطنة والقانون، ورفض محاولات تقسيم الدولة والشعب، ووقوف الفلسطينيين إلى جانب السوريين وثورتهم باعتباره واجبا وطنيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا، ورفض كل أشكال المتاجرة بالقضية الفلسطينية التي يمارسها نظام الأسد.
وركزت الوثيقة في أهداف التجمع على العمل لتأكيد الحريات وبناء الوعي السياسي والحقوقي خارج سلطة الجهل والخوف والكراهية، وضرورة المشاركة السياسية مع قوى الثورة والمعارضة لتحقيق أهداف الثورة من أجل الحرية والكرامة وبناء نظام ديمقراطي، يكفل حقوقا متساوية للجميع، وخصت الأهداف في الجانب الفلسطيني ضرورة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والتركيز على ملفات المعتقلين والمغيبين قسرًا، وإعادة بناء المخيمات وعودة النازحين والمهجرين، إضافة إلى توثيق الانتهاكات والأضرار البشرية والمادية، التي لحقت بالمجتمع الفلسطيني من أجل الحفاظ على حقوقه في التعويض، ومحاسبة مسؤولي النظام اللاحقة في إطار العدالة الانتقالية.
خلاصة القول، هي أن تأسيس التجمع، وما صاحبه من جهد سياسي وتنظيمي، يمثل ولو متأخرًا جهدًا لإعادة ترتيب أوضاع فلسطينيي سوريا وعلاقاتهم فيها، وهو جهد، لا يعزز سعي السوريين من أجل مواجهة نظام الأسد وحلفائه، ووقف جرائمهم، وبناء نظام بديل فقط، بل يؤكد اندماج الفلسطينيين في تلك المساعي، بعد أن عمل النظام طوال السنوات الماضية، وبدعم من مرتزقته من تنظيمات وقفت معه وشاركت في أعمال القتل والتهجير ودمار سوريا، وهذا في حد ذاته يعري مواقف النظام وحلفائه من إيران إلى «حزب الله» الكاذبة من القضية الفلسطينية.