د. سلطان محمد النعيمي
كاتب إماراتي
TT

امتعاض النظام الإيراني من التحركات السعودية

لم تكن الخطوات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية ومن ورائها دول الخليج وخصوصًا دولة الإمارات، بدءًا من التحالف العربي في اليمن، والسعي إلى اعتبار الحليف الرئيسي للنظام الإيراني في المنطقة منظمة إرهابية، ونقصد هنا حزب الله، وليس انتهاءً بالتحالف الإسلامي الذي أفرز بدوره تحالف 34 دولة بقيادة المملكة وإقامة مناورات رعد الشمال، موضع ترحيب من قبل النظام الإيراني، نظرًا لما يشكله ذلك من وضع حدّ لمساعي النظام الإيراني، لتحقيق مزيد من النفوذ في المنطقة وزرع ميليشياته ودعم مواليه.
نسير مع القارئ هنا لاستعراض موقف مسؤولي النظام الإيراني لينتهي بنا المطاف إلى آية قرآنية، لعلها تكون الرد المناسب لما سنعرضه.
المعطيات الراهنة تفضي إلى حقيقة، وهي أن المملكة العربية السعودية تأتي بدورها المنافس الإقليمي الرئيسي للنظام الإيراني في المنطقة، بل والعائق لطموحات هذا النظام. حيث تتجلى صور الحضور السعودي وما يقابله من انفعال من النظام الإيراني في التالي:
أ. المكانة الإسلامية التي تحظى بها المملكة العربية السعودية.
ب. الحضور على المستوى الإقليمي والدولي والتأثير على الساحتين.
ج. القوة الاقتصادية والدور الجوهري في سوق النفط.
د. الحضور الفعال في كثير من الدول والملفات محط الاهتمام الإيراني ومناطق نفوذها.
هـ. الدبلوماسية السعودية ووقوفها في وجه التغلغل الإيراني.
و. المساحة والتعداد السكاني والقوة العسكرية جنبًا إلى جنب مع بقية الدول التي تشاطر المملكة ما تشكله التدخلات المستمرة للنظام الإيراني في دول المنطقة.
تلك العناصر وغيرها جعلت من النظام الإيراني يتخذ كثيرًا من السبل محاولةً لسحب البساط من السعودية. وتظل عقدة قيادة العالم الإسلامي والتأثير فيه من قبل المملكة العربية السعودية مصدر إزعاج حقيقي للنظام الإيراني. فمنذ تحول إيران إلى نظام جمهورية إسلامية، تطلع الخميني ومن يأتي من خلفه، إلى توظيف عامل الدين للاستمرار في الحضور الإيراني في المنطقة، بعد أن فقد بقية الأدوات الأخرى بسقوط النظام السابق.
وتأسيسًا على ذلك بدأ النظام الإيراني بنشر خلايا تابعة له في دول الخليج، بوصفها خلايا تهدف إلى خلق حكومات إسلامية تبعتها أحداث الحج، وما قام به أتباع النظام الإيراني. ظل خلال فترة الثمانينات ينادي بتصدير الثورة ودعم المستضعفين، ولم يستطع تحقيق أهدافه.
خلال السنوات الأخيرة، حاول النظام الإيراني جاهدًا توظيف ما يطلق عليه ثورات الربيع العربي. فلم يكن هذا الاسم دارجًا في أدبيات النظام الإيراني وإعلامه، بل استخدم مصطلح «ثورات الصحوة الإسلامية» واعتبر أن تأثيرها جاء نتيجة الثورة في إيران عام 1979. نتيجة لذلك أنشأ النظام الإيراني «المجمع العالمي للصحوة الإسلامية» وتولى مستشار المرشد السياسي علي ولايتي منصب الأمين العام. في ضوء هذا المجمع استقبلت إيران وفود كثير من الدول الإسلامية رغبة في جعل إيران محورًا للزعامة في العالم الإسلامي.
بعد كل تلك المحاولات يأتي التحالف العربي ومن ثم التحالف الإسلامي، وما شهدته القمة الإسلامية الأخيرة من حضور وتأثير ملموس للمملكة العربية، ليعيد للعقل الجمعي للنظام الإيراني أنه بعيد كل البُعد عن حلم قيادة العالم الإسلامي وتحويل نظرية أم القرى إلى واقع (أي أن تكون إيران قائدة للعالم الإسلامي) واستمرار التأثير السعودي وما يحظى به من تقدير للدول الإسلامية المؤثرة في المنطقة.
نتيجة لما تقدم ظهرت جليًا ردة الفعل الإيرانية المنفعلة تجاه ذلك. وفيما يلي نستعرض بعض تلك المواقف، ولعل أبرزها ما جاء من داخل مكتب المرشد وتصريحات قائد الحرس الثوري السابق ومستشار المرشد العسكري رحيم صفوي، خلال الإعلان عن عقد الملتقى الدولي «الأزمات الجيوسياسية للعالم الإسلامي» خلال الفترة المقبلة، حيث صرح رحيم صفوي بالتالي:
أ. الهدف من التدخل السعودي الخطير في الأزمات الإقليمية وتأسيس تحالفات متعددة، هو القيام بدور الزعامة بين الدول الإسلامية، ومواجهة الدور الإقليمي لإيران التي تدعو الدول الإسلامية إلى الوحدة وتعزيز محور المقاومة الإسلامية في المنطقة.
ب. سياسة القطبية في العالم الإسلامي بعد التحالف العسكري، وما يطلق عليه الدول الإسلامية تواجه الإرهاب، تعد خطرًا عظيمًا وتهديدًا من أجل إبعاد الدول الإسلامية عن إيران.
ج. اهتمام السعودية بتأسيس هذا التحالف، من أجل تقليل الضغط الإقليمي والدولي على السعودية بوصفها مكمنًا للإرهاب والمجموعات المتشددة.
د. تقع السعودية تحت تأثير الإدارة الاستراتيجية للأميركان.
هـ. لم تنجح بعد خمس سنوات من التدخل في سوريا ولبنان والعراق والبحرين.
و. تريد أن تقوم بدور جديد بالوكالة عن الأميركان من أجل المعارضة والمنافسة الاستراتيجية مع إيران.
إن المتفحص لمثل هذه التصريحات يتجلى له وبوضوح كيف يستقبل النظام الإيراني الخطوات السعودية تجاه المنطقة ودورها في توحيد الجهود، لمواجهة تحديات المنطقة. وعلى الرغم مما تعرضت له المملكة من هجمات متكررة من قبل التنظيمات الإرهابية و«القاعدة» سابقًا، وما يطلق عليه حزب الله الحجاز ولاحقًا «داعش»، فإن النظام الإيراني يحاول جاهدا إلصاق تهمة الإرهاب بالمملكة العربية السعودية.
منظور النظام الإيراني كما يرى رحيم صفوي تجاه ما تقوم به المملكة العربية السعودية، يأتي في المقام الأول لمواجهة إيران الداعية إلى الوحدة الإسلامية، وبالتالي فإن الدور السعودي - وفقًا لهذه الرؤية - هو دور يدفع باتجاه مناكفة الوحدة الإسلامية، كما يدعي رحيم صفوي.
يتجلى بوضوح مدى ما يستشعره النظام الإيراني من تأثير ملموس للخطوات الأخيرة للسعودية، والنتائج الملموسة مبدئيًا من التحالف الإسلامي. هذا ما دفع تلك التصريحات السابقة من قادة الحرس الثوري أو الجيش، التي كانت تصف ذلك التحالف بالمزحة والنكتة السياسية إلى تصريحات انفعالية تنم عن تخوفات حقيقية لهذه الخطوات. فمع الإعلان عن التحالف الإسلامي قال أحمد خاتمي عضو مجلس الخبراء وخطيب جمعة طهران «إن هذه مزحة سياسية بأن تقوم السعودية بتشكيل تحالف ضد (داعش)، فالسعودية هي راعية لهذه الجماعات».
استشعار خطر قيادة السعودية لهذا التحالف وإحساس النظام الإيراني بأنه أصبح معزولاً دفع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني بالقول إنه «لا جدوى من التحالفات التي تستهدف الدول والشعوب المسلمة، وإنها لن تدوم، وإن إيجاد نموذج للتضامن الإقليمي بمشاركة وتفاهم جميع الدول هو السبيل الاستراتيجي المؤثر في إيجاد الأمن والاستقرار الراسخ».
وسط ردود الفعل الانفعالية القادمة من النظام الإيراني أقف مع القارئ الكريم لنرى ردود الفعل القادمة من المملكة العربية السعودية والتحالف العربي والتحالف الإسلامي. هل من تعليق؟ يبدو أن الوقت ثمين للرد على هذه الانفعالات والترهات، ولكن لا بأس أن نردد الآية الكريمة «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ». (صدق الله العظيم).