التزامات الغرب تجاه أوكرانيا

التزامات الغرب تجاه أوكرانيا

الثلاثاء - 23 جمادى الأولى 1435 هـ - 25 مارس 2014 مـ رقم العدد [12901]

عندما يجتمع الرئيس أوباما مع حلفاء الولايات المتحدة من الدول الأوروبية، سيتطرق الاجتماع إلى كيفية صياغة استراتيجية مناسبة للرد على النهج السياسي الطائش الذي يتبناه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وينبغي أن تؤكد تلك الاستراتيجية على أن المنظور الذي يرى بوتين العالم من خلاله يقوم على مجموعة من التخيلات التي تنطوي على قدر كبير من الخطورة.


كانت العلاقة بين روسيا ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل أشبه بلغز يحيط به الغموض في غياهب أحجية لا حل لها. أما في عهد بوتين، فيمكن وصف الخطاب السياسي الروسي بأنه أقرب إلى خيالات تلفها الأوهام المغلفة بالعديد من الأكاذيب. ربما يظن بوتين أن الأوكرانيين شعب فاشي يسعى إلى مهاجمة الروس، لكن ذلك الظن غير صحيح، إذ إن جميع القوى السياسية ممثلة في الحكومة المؤقتة، كما لم يرصد أي من المراقبين من خارج أوكرانيا أي دليل على وجود حملات تدعو للعنف ضد الروس.


لم يكن تفكك الاتحاد السوفياتي هو أكبر كارثة في القرن العشرين، كما يقول بوتين. فقد كانت أكبر كوارث القرن الماضي تتمثل في الحرب العالمية الأولى التي اندلعت بسبب غياب القيادة وعدم وضوح الأولويات، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية التي اشتعلت شرارتها عندما جرى استغلال النعرة العرقية كذريعة للسيطرة على دول أخرى، ثم جاء نصف قرن مارس خلاله نظام شمولي استبدادي كل أنواع القهر ضد شعبه وجيرانه. كانت الكارثة الأولى نتيجة سوء الفهم، والثانية كانت بسبب مجموعة من الأكاذيب الواضحة، أما الثالثة فقد حدثت بسبب القوة المتوحشة.


بعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية كان الأمل يحدو الجميع في إنشاء أوروبا موحدة وحرة، وأن تكون روسيا جزءا منها. لكن روسيا في عهد بوتين، النصير الأول لنظرية تعديل التاريخ، أنفقت أكثر من عشرين عاما وهي تتعرض للإهانة، وكانت غير قادرة على استرجاع قوتها، أو إقناع الآخرين بمواقفها ووجهات نظرها، أو منع الآخرين من استعراض قوتهم. لم يخبر بوتين الروس عن إمكانياتهم ومصادر قوتهم التي تمكنهم من اللحاق بالركب العالمي، بل على العكس، راح يوسوس لهم بأنهم ضحايا وأن العالم من حولهم يمتلئ بالأعداء. في الواقع، تبدو روسيا اليوم أكثر رخاء مما كانت عليه خلال العهد السوفياتي، كما أن مواطنيها يستفيدون كثيرا من انخراطهم في المجتمع الدولي.


ومع التسليم بأن ما فعله بوتين في شبه جزيرة القرم يعد مخالفا للقانون الدولي، يبدو مثيرا أنه يحاول تبرير أفعاله من خلال الاستشهاد ببعض السوابق، التي لا تستند إلى حقائق. فبوتين يقول إنه يفعل ما فعله الآخرون في كوسوفو، لكن ذلك ببساطة ليس صحيحا. فخلال فترة تسعينات القرن الماضي، كانت جميع التدخلات الدولية في البلقان تقوم على موافقة ومشاركة ومراقبة عدد كبير من الدول من خلال المنظمات العالمية والترتيبات غير الرسمية، بما في ذلك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وكانت بعض الخطوات يجري اتخاذها من خلال اللجوء إلى القوة بعد استنفاد جميع الحلول الدبلوماسية.


استغل بوتين هذه الأكاذيب، ولجأ إلى القوة العسكرية والدعاية - أدواته المتاحة - وتحرك في مكان تقطنه غالبية روسية وحيث يعتقد أن التلاعب بالتوترات العرقية قد ينجح. إذا كنا صدقنا مذهبه بـ«مساعدة» الأقليات التي ليست في خطر، فسوف يصبح العالم أكثر خطورة. والرد القوي فقط هو الذي سيحظى بالفرصة لمنع هذا السيناريو من أن يتكرر. قد لا تنصت روسيا بوتين، لكن الدول في جميع أنحاء العالم تترقب لترى رد الولايات المتحدة وحلفائها.


إلى هنا نكون قد حققنا بداية جيدة. فقد وقع الاتحاد الأوروبي اتفاق شراكة مع أوكرانيا. وقد دعمت الولايات المتحدة وغيرها المراقبين الدوليين، وعززت حلفاءنا في أوروبا الوسطى والشرقية، وتعهدت بتقديم الدعم المالي والأمني للحكومة الأوكرانية المؤقتة. وهناك عقوبات قد فرضت بالفعل بها ضد من انتهكوا القانون الدولي، وسيكون هناك المزيد.


لكن هذه الخطوات، وتلك التي ستليها، يجب أن تكون في خدمة رؤية استراتيجية أوسع. وأفضل مبادئ يمكن الاستفادة منها هي تلك التي وجهت الغرب منذ الحرب العالمية الثانية، وهي أن لكل بلد أن يقرر علاقاته الخاصة، وأن أوروبا ينبغي أن تكون ديمقراطية وحرة وغير مقسمة.


ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية ثلاثة محاور:


المحور الأول هو وضع المناطق التي يزعم بوتين ضرورة أن تظل موضع نزاع. ينبغي ألا تتدفق المساعدات إلى القرم، وألا يمنح مسؤولوها الاعتراف الدولي. ويجب على المسؤولين الأوروبيين والأميركيين وصندوق النقد الدولي مساعدة أوكرانيا بالمال والخطط والمستشارين.


المحور الثاني، ينبغي على الرئيس وحلفاء الولايات المتحدة أن يظهروا لقادة روسيا وشعبها أن روسيا لن تكون موضع ترحيب إذا ما رفضت أن تكون عضوا مسؤولا في النظام الدولي. وأننا نرحب بمن يقيسون عظمة بلادهم بثرواتها، ومشاركتها مع العالم، واستقرار علاقاتها مع الدول المجاورة، لا عن طريق القوة العسكرية على حدودها فقط.


ليس لنا أن نقول من يحكم روسيا. ولكن سلطة بوتين تكمن في دوره كحكم بين 400 رجل يلقبون برجال السلطة يستفيدون من البنوك والشركات التي تسيطر عليها الدولة. ينبغي عليهم أن يحسوا بجريرة أفعالهم. يجب أن تخضع أصولهم المالية للتدقيق والمنع عند عبورهم الحدود الدولية.


المحور الثالث، والأكثر أهمية، ضرورة أن تتمخض رحلة الرئيس أوباما إلى أوروبا لحضور مجموعة السبع والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن استراتيجية للدول المجاورة لروسيا. يجب أن يكون جوهر أي استراتيجية خلق علاقات اقتصادية واجتماعية دائمة لأوكرانيا مع الغرب.


هنا يمكن أن نستخلص درسا من البلقان. فعندما انتهت حرب كوسوفو في عام 1999، خلص الرئيس بيل كلينتون إلى أن الدول الضعيفة في المنطقة، التي مزقتها الانقسامات العرقية، لا يمكن أن تزدهر. وتعهد على الفور في القمة التي عقدت في سراييفو بضم تلك الدول إلى أوروبا ديمقراطية وحرة.


ينبغي على أوباما وحلفائنا تقديم تعهد مماثل الأسبوع المقبل واتخاذ خطوات فورية لدعم استقرار الاقتصاد الكلي في أوكرانيا والدول الرئيسية لدمج شركاتهم في العلاقات التجارية والسماح لشعوب المنطقة بفرص مواصلة التعليم والعمل، بصورة عصرية. فمن شأن مجتمع عبر الأطلسي قوي منصوص عليه في اتفاقية التجارة عبر الأطلسي المقترحة توفير نقطة جذب للبلدان التي تدرس رفض الاتحاد الأوراسي.


بيد أنه ينبغي أن نعترف بأهمية أن يتمكن الأوكرانيون من الدفاع عن أنفسهم. وعلى الرغم من أننا بدأنا تقديم بعض المساعدات غير القاتلة، فينبغي على الرئيس التراجع في الاقتراح السابق بوقف تمويل برنامج تحديث الجيش الأوكراني. تحتاج الحكومة الأوكرانية المساعدة أيضا في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإلكترونية والمساعدة في حفظ الأمن، خاصة في عمليات مكافحة الشغب.


وخلال استعدادات الأوكرانيين للانتخابات الرئاسية في شهر مايو (أيار) المقبل، فإنهم سوف يلجأون إلى القادة القادرين على مساعدتهم على العيش كما يريدون. فقد أوضح الشعب الأوكراني منذ الثورة البرتقالية رغبته في المشاركة في أوروبا. لكن قادتهم خذلوهم، وكذلك المجتمع الدولي، الذي لم يولهم اهتماما كافيا.


لا يحدث في كثير من الأحيان أن تمنح دولة فرصة ثانية. وقد حصل الأوكرانيون وقادة العالم على واحدة بالفعل. فقد أعقبت الحرب العالمية الأولى الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. ولن يغفر التاريخ لهؤلاء المسؤولين إذا ما وقعت حرب باردة أخرى.


* مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية خلال الفترة من 1997 إلى 2001 وجيم أوبراين مبعوث إدارة الرئيس بيل كلينتون إلى البلقان


* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة