بدأت قصة الكشف عن مراكب الشمس حول هرم الملك خوفو في شتاء عام 1946؛ وذلك خلال الزيارة التاريخية للملك عبد العزيز آل سعود - مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة - إلى مصر. وتم الترتيب لقيام الملك عبد العزيز والملك فاروق - ملك مصر - بزيارة إلى المعالم الأثرية ومنها أهرامات الجيزة؛ وبالفعل وصل الركب الملكي إلى المنطقة الأثرية؛ وخلال الزيارة مرت العربة الملكية التي تجرها الخيول بالجانب الجنوبي لهرم الملك خوفو؛ ولاحظ الملك عبد العزيز وجود رمال وكسر أحجار بارتفاع شاهق بجوار ضلع الهرم الجنوبي يحجب رؤية الهرم بوضوح من هذا الجانب. أشار الملك عبد العزيز إلى الملك فاروق بأن إزالة تلال الرمال والأتربة ستجعل الزائرين يستمتعون أكثر بمشاهدة هذا البناء العبقري للمصريين القدماء. وعلى الفور أعطى الملك فاروق أمراً لـ«دريتون» - العالم الفرنسي الذي كان رئيسًا لمصلحة الآثار المصرية في ذلك الوقت - بإزالة تلك الرمال والأحجار.
شهور قليلة بعد زيارة الملك عبد العزيز آل سعود إلى منطقة الأهرامات حتى اعتمدت مصلحة الآثار مبلغ خمسين جنيهاً مصرياً للصرف على عملية إزالة الرديم. وبعد أن تمت إزالة ما يقرب من ستين ألف متر مكعب من الأتربة والأحجار؛ ظهرت بقايا السور الأثري الذي كان يحيط بالهرم؛ وهو جزء من المجموعة الهرمية للهرم الأكبر؛ وكلف بالعمل بعد ذلك مدير أعمال المنطقة المهندس كمال الملاخ، الذي كان حاصلاً على دبلوم دراسة الآثار المصرية؛ بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة. وكان يعمل مع كمال الملاخ الريس جرس يني؛ وهنا يتكلم شاهد عيان آخر وهو الكاتب الكبير أنيس منصور صديق الملاخ؛ ورفيقه في رحلته الصحافية فيما بعد. يقول أنيس منصور إن الريس جرس يني تحدث مع الملاخ تليفونياً بينما كان هو والملاخ يتناولان طعام الغداء في مطعم الإكسلسيور بوسط القاهرة؛ وقال له إن كشفاً كبيراً ظهر منذ لحظات؛ وأن عليه الحضور فوراً إلى المنطقة الأثرية. يصل أنيس والملاخ إلى الهرم وتتعطل سيارة أنيس أمام الهرم الأكبر دون سبب معروف. ما إن وصل الملاخ ونظر إلى داخل الحفرة الضيقة حتى قال إنه يشم عبق التاريخ داخل الحفرة.. وكان ذلك بداية قصة مركب الشمس الأولى والتي جرت المصائب على الملاخ وجعلته يستقيل من الآثار ويحترف الصحافة وكل ذلك بسبب الغيرة والأحقاد التي جرتها عليه الشهرة التي نالها الملاخ بعد الكشف الكبير.
قام كمال الملاخ بعمل توسعة للثقب الصغير واستطاع من خلاله أن يشاهد ما هو موجود بالداخل؛ ثم قام بإذاعة الخبر عبر وكالات الأنباء وأصبح بسرعة البرق الخبر الرئيسي في كل مكان في العالم؛ وذاع صيت الملاخ، إلا أنه حقق معه بعد ذلك وخصم خمسة عشر يوماً من راتبه! وكان ذلك خيراً على الملاخ؛ حيث ترك مصلحة الآثار وعمل بالصحافة؛ ولكن ظلت الآثار هي عشقه الأول طوال حياته.
وفي يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 احتفل برفع أول حجر من الأحجار التي كانت تغطي المركب بعد إزالة المفتاح الحجري من الجهة الغربية؛ وفي أثناء القيام بعملية الزحزحة والربط كما يشرحها الحاج أحمد يوسف مرمم المركب في مذكراته؛ روعي الحفاظ على الكتل الحجرية من التلف؛ وبعد سحب الكتلة الحجرية تم نقلها على زحافات خارج الموقع.
يقول المرمم العظيم أحمد يوسف إن عملية إزالة الكتل استغرقت نحو ثلاثة أشهر؛ وبعد ذلك وضع جهاز لقياس نسبة الرطوبة وظل الجهاز داخل الحفرة ما يقرب من ستة أشهر؛ وخرجت القراءات التي أظهرت أن الرطوبة داخل الحفرة وصلت إلى نحو 88 في المائة، ودرجة الحرارة 22 درجة مئوية؛ واستطاع بعد ذلك الحصول على ثلاث عينات من الخشب من أماكن مختلفة وأرسلها للتحليل بمعامل كلية العلوم جامعة القاهرة. وتستمر حكاية مراكب الشمس..
8:50 دقيقه
TT
حكاية كشف مراكب الشمس
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
