محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

السائد والبائد

ليس صحيحًا أن كلمة «فنان» تعني، عند العرب الأقدمين، كلمة «حمار». هذا الوصف شاع منذ سنوات، واستُخدم للسخرية من أي فنان، على أساس أن المعنى لا يتجاوز سوى ذلك الحيوان المسكين الذي يُتهم بعدم الفهم.
حسب «لسان العرب»، ورد في شعر الأعشى تشبيه معين عندما قال: «وإن يكُ تقريبٌ من الشد غالها بميعة فنانِ الأجاري»، وبما أن كلمة «الأجاري» آتية من «الجري»، فإن الشاعر وصف جري الحمار، ساخرًا، بأنه فن في الجري. لكنه لم يصف الفنان بالحمار.
الفن هو الحال والنوع بالعربية، فيقال: «هذا فن من فنون الشعر»، وبذلك يكون المعنى هو أنه «نوع» أو «ضرب» من أنواع أو ضروب الشعر.
والكلمة متّصلة، أيضًا، تبعًا لـ«لسان العرب»، بالتفنن، فرجل «مفن» تعني أنه رجل قادر على أن يأتي بالعجائب أو هو ملم بـ«فنون اللغة».
لاحقًا ما تأكدت هذه الكلمة وحفرت لها معنى محددًا. فالفن هو كمال الشيء الممارس في ضربه ونوعه. لذا عندما نقول إن فلانًا فنان موسيقي، فإن التسمية لا يجب أن تعني أنه مبتدئ أو مجرب أو بلا موهبة، كما هو الحال في هذه الأيام، حيث أصبح كل من يصدح بأغنية أو يعزف طبلاً أو يصوّر فيلمًا على «آيفون» أو يرسم خطين متقابلين أو يهز حاجبيه حين تأدية دور تمثيلي، فنانًا.
الفارق هو أن الفنان امتلك الموهبة والمعرفة، بحيث نمت لديه القدرة على تمييز ما يقوم به، بينما الآخر يرمي نفسه في المحافل، ويسعده أيما سعادة واقع أن الإعلام ما عاد يصرّ على التفرقة، فكلهم فنانون، بل فنانون عالميون أيضًا.
بالإنجليزية كلمة «Art» مقرونة بعدة كلمات لا بد من إتمامها حتى يصبح المرء Artist، منها الموهبة والتقنية (تقنية الكتابة أو تقنية التصوير أو الرسم... إلخ)، والمهارة والمعرفة الثقافية والفنية والتاريخية بالشيء الممارس. كلها، إذا ما التقت في شخص واحد، جعلته فنانًا. ولم يصل إليّ أن أحدًا من النقاد أو الأكاديميين أو من أبناء الوسطين الإعلامي والفني وصف ممثلاً رديئًا بكلمة «فنان» أو استغل الكلمة ليصف من هو خالٍ من المهارة والمعرفة والموهبة. هذا على عكس ما ننجرف إليه من سهل الكلام عندما نصف كل مَن صعد المنصّة ليغني بأنه فنان، أو كل من مثل دورًا وبكى فيه صار «فنانًا عظيمًا» - قد تسأل كيف؟ فيقال لك: «لقد بكى في مسلسل…».
لا أعني أن المشكلة ليست عالمية اليوم، بسبب الإفراط في تصديق كل شاردة وواردة تظهر على الإنترنت. لكنني دائمًا ما أنصح من أعرفه بالحذر وتوخي الدقة. الممثل - الفنان هو الذي يمتلك القدرة على رفع مستوى أدائه مستخدمًا في ذلك تقنياته الخاصة ومعرفته الشاملة وموهبته الفردية ذات الأسلوب الخاص. لكني أعلم أنه لا كلمات تكفي لتغيير الحال المشكو منه. لقد بات هو السائد والأصل هو البائد.
لكن حقيقة شيوع شيء ما في الغرب لا يجب أن يعني أن ننحي رؤوسنا ونقلّد، بل سيكون ذا صدى رائع لو تماثلنا فقط بأفضل ما لدينا وأفضل ما لديه، عوض الركض وراء عادة إرضاء الذوات النرجسية، وبيع الأوصاف الخالية من الصحة لمشاهدين تطبّعوا بما يُقال لهم أكثر مما يجب.